| |
 
تخطي ارتباطات التنقل
الرئيسية
نبذة عن المجلة
كلمة رئيس التحرير
للاتصال بنا
توظيف الدروس المستفادة من الأزمات في التخطيط لإعداد المملكة العربية السعودية للدفاع 
 

الدروس المستفادة من أي عمل يقوم به الإنسان هي الركيزة والأساس في تفكيره، وتخطيطه، وإستراتيجيته المستقبلية على مستواه الشخصي، وينطبق ذلك على الدول، فكلما كانت الدروس المستفادة لأي عمل تقوم به الدولة، خاصة الدروس المستفادة من الحروب والأعمال العسكرية مبنياً على دراسات ومعايير إستراتيجية من حيث الثقل الحضاري، والسياسي، والثقل الاجتماعي، والاقتصادي، ثم الثقل الأهم، وهو مقدرة الدولة على التعامل الدولي، عند ذلك تصبح تلك الدروس المستفادة هي المفتاح الرئيس لإتقان الأعمال المستقبلية، ولذا يجب أن تكون تلك الدروس المستفادة معدة ومدروسة بإتقان، وقابلة للتطبيق، ومفيدة في وضع الإستراتيجيات المستقبلية للدولة، وإلا فإنها سوف تصبح دروساً ناتجة عن ردة فعل وقتية ينتهي بها الأمر إلى ملفات الحفظ والأرشفة، وتعلوها الأتربة والغبار ثم تصبح تاريخاً منسياً.
 بعد هذه المقدمة التي أطلت فيها عن أهمية الدروس المستفادة، ودورها في عملية إعداد المملكة العربية السعودية للدفاع، فإنني أقصد ما سوف نقوم بدراسته وتوثيقه بعد انتهاء الحرب على (المعتدين الحوثيين) على حدودنا الجنوبية مع جمهورية اليمن الشقيقة، ونقارن ذلك بما استفادته وزارة الداخلية بالمملكة بجميع أجهزتها أثناء حربها على الإرهاب، وما حققته من ضربات استباقية ضد الإرهابيين، لو لم يكن ذلك بتوفيق من الله- سبحانه وتعالى- ثم بتجاوزها كثيراً من الإخفاقات في بداية حربها على الإرهاب، وذلك بما قامت به من تعديل خططها، وتدريب كوادرها وتجهيزها بالأسلحة والمعدات اللازمة لمثل هذه العمليات من خلال تطبيقها الدروس المستفادة حتى أصبحت المملكة من الدول التي يشار إليها بالبنان من قبل جميع الدول، حيث إن ما حققته يعد إنجازاً عالمياً بكل المقاييس في حربها ضد الإرهاب والإرهابيين، التي أصبحت كثيراً من الدول المتقدمة تستفيد من إنجازات وخبرات المملكة في هذا المجال.  ولقد أوردت هذا المثال الحقيقي، الذي لا يختلف عليه اثنان لأحاول الوصول لأهمية الدروس المستفادة ودورها في إعداد المملكة للدفاع من جميع النواحي، حيث إنها ستكون أحد مصادر التخطيط الإستراتيجي، ومرشداً، وهادياً للمخططين، وصناع القرارات في المملكة، ليس على المستوى العسكري فحسب، وإنما على جميع مكونات (القوى الشاملة للدولة)، التي يتم تعريفها بأنها محصلة للمقومات المادية والمعنوية، وما يوفره التقدم التقني للدولة ليتم توظيفها في إطار الإستراتيجية الشاملة لتحقيق أهدافها، وهناك تعريف آخر للقوى الشاملة بأنها قدرة الدولة على استخدام كل مواردها المحسوسة وغير المحسوسة (المعنوية) بطريقة تؤثر في سلوك الدول الأخرى.  ومن عناصر القوى الشاملة للمملكة التي يجب تطبيق الدروس المستفادة عليها حتى نستطيع إعدادها للدفاع إعداداً جيداً ما يلي: الكتلة الحيوية، وتسمى أيضاً الكتلة الحرجة، وتشمل دراسة الأرض والسكان، ومستوى التفاعل بينهم، فمثلاً دراسة الأرض من ناحية (الموقع– التضاريس– المناخ– الغذاء– الموارد الأولية)، وكذلك السكان باعتبارهم العامل الفعال في مصير أي دولة، حيث يتم دراستهم من ناحية النمو، والتطور، والتخلف، والولاء، والمذاهب الدينية التي يحملونها، لذا يجب أن تؤخذ الدروس المستفادة الخاصة بهذا العنصر من الواقع الملموس على الحدود الجنوبية، وما أفرزته هذه الأزمة ليتم الاستفادة منها في جميع مناطق المملكة، خاصةً الحدودية منها.
1- الكتلة الاقتصادية، وهي التي تعطي دلالات أهمية المملكة بين دول العالم من خلال العلاقة بين إنتاج واستهلاك الطاقة، والإنتاج الغذائي، وتجارة المملكة الخارجية، وتوفر المعادن الأخرى غير البترولية، والدروس المستفادة من هذا العنصر من أهم الدروس لتأثير هذا العنصر المهم في جميع مرافق الحياة في المملكة. 2- القدرة العسكرية، سواء كانت قدرة عسكرية تقليدية، أو قدرة إستراتيجية غير تقليدية (نووية– كيماوية– بيولوجية)، والدروس المستفادة من هذا العنصر يجب أن تكون دروساً حقيقية، لما اتضح للقادة الميدانيين وغيرهم من قصور في عدة نواح، لتشمل التدريب الخاص بكل منطقة، حسب تضاريسها، وكذلك المعدات، والأسلحة، والعربات المناسبة لتضاريس كل منطقة. 3- القدرة الدبلوماسية (الخارجية)، وهي تنظيم نشاط الدولة في علاقاتها وتعاملاتها مع غيرها من الدول، وهذه القدرة تعتمد على أهداف وغايات المملكة التي تقوم على إرساء قواعد ثابتة لتعزيز بقية القدرات الشاملة، سواء (الاقتصادية– السياسية– العسكرية)، وهنا تكمن الحكمة في إعداد دروس مستفادة من هذه الأزمة وغيرها من الأزمات السابقة، حيث إن هذا العنصر يعد من أهم قدرات المملكة، التي اتضحت بجلاء خلال هذه الأزمة من تعقل وحكمة لقيادتنا السياسية في تعاملاتها مع الدول التي كان لها علاقة بهذه الأزمة، سواءً صديقة أو معادية. 4- القدرة المعنوية، وهي الحالة النفسية وغير العقلية، وتسمى القدرة غير المحسوسة، وتتأثر هذه القدرة بعوامل عدة منها القيم الاجتماعية- الاتجاهات الفكرية– المعتقدات الدينية السائدة في المجتمع، وتختلف باختلاف البيئة والظروف الاجتماعية والثقافية، وهذه القدرة هي المفتاح الرئيس للروح المعنوية للشعب وولائه الذي يحمي جميع القدرات الشاملة للدولة، وما أكثر الدروس المستفادة التي ستفرزها هذه الأزمة للاستفادة منها في كيفية التعامل مع هذه القدرة في المملكة مستقبلاً سلماً كان أو حرباً. 5- القدرة التقنية (التكنولوجية)، وهي قدرة أجهزة الدولة على استعمال المعرفة العلمية وتطبيقها على جميع المجالات، لأنها المقياس الحقيقي الذي يقاس به الفوارق بين تقدم الدول، وسوف يكون لهذه الأزمة دروس مستفادة ستكون- بمشيئة الله- عوناً على التخطيط وتطوير ما تم استخدامه من تقنيات وتكنولوجيا حديثة لمساندة العمليات العسكرية،  وغير العسكرية. 6- القدرة السياسية (الداخلية)، وهي تنظيم العلاقة بين الشعب داخل حدود الدولة بواسطة نظام سياسي يملك السلطة بهدف الوصول إلى أقصى عائد من الإمكانات، والموارد المتاحة، وتهدف السياسة الداخلية إلى التماسك السياسي، ووحدة الشعب، وأعتقد بل أجزم بأنه سوف يتم الوصول إلى دروس مستفادة عظيمة لهذا العنصر يجب أن تطور لصالح التخطيط لرفع درجة الاستقرار السياسي، ورفع درجة ولاء الشعب في الأزمات المماثلة.
ورجوعاً إلى عنوان هذا المقال أرى أن يتم إعداد دروس مستفادة من قبل جميع وزارات وأجهزة الدولة بعد انتهاء عملياتنا العسكرية، وتوقف الحرب، فليس هناك وزارة أو جهاز حكومي لم يكن له علاقة بهذه الحرب التي فرضت علينا، سواء كانت علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ليتم في ضوئها إعداد المملكة العربية السعودية للدفاع على أسس علمية، ونظرة مستقبلية يتم تحديثها دائماً، وأرى أن يتم النظر بجدية في تأسيس مراكز بحوث وطنية في جميع الوزارات والأجهزة الحكومية، والاستعانة بالخبرات في جامعات المملكة، سواء كانوا على رأس العمل أو متقاعدين، وكذلك الكفاءات العسكرية من الضباط العاملين أو المتقاعدين لإعداد دروس مستفادة بطرق علمية ورؤية مستقبلية تكون قابلة للتطبيق على التخطيط لإعداد المملكة للدفاع مع العمل على تشجيع ودعم هذه المراكز والعاملين بها من قبل ولاة الأمر- حفظهم الله- لما يخدم أمن واستقرار مملكتنا الحبيبة أدام الله أمنها وأمانها، وحفظ شعبها الأبي تحت ظل قائدها، وفارسها الهمام، خادم الحرمين الشريفين- حفظه الله- وحكومته الرشيدة.

العميد الركن/ عبدالله بن سعيد القحطاني