يختلف مفهوم الأمن في تعريفه للنظرية التي يتم من خلالها النظر إلى ذلك المفهوم، وبغض النظر عن التعريفات, فإن ثمة نظريات ثلاث رئيسية في هذا الصدد هي: النظرية الواقعية, والنظرية الليبرالية, والنظرية الثورية.
أولا: مفهوم الأمن وفق النظرية الواقعية
تتأسس النظرية الواقعية على افتراض أن الدولة هي الفاعل الدولي الرئيسي, إن لم يكن الوحيد, وأنها تتصرف كفاعل موحد ذي صوت واحد يعبر عن إرادته, وأن الدولة تتحرك في مجال علاقات الأمن على أساس من الرشد في الحساب والإدراك. ووفقا لهذه المدرسة، فإن النظام الدولي يتصف بالفوضوية anarchy لغياب سلطة دولية مركزية آمرة. ومن ثم فإن الدول فرادى تتولى أمر أمنها، وتدافع عن مصالحها بالمعنى الدقيق، وذلك من خلال استحواذ القوة power واستخدامها . ومن هنا تكون الحرب أداة طبيعية للحركة الخارجية إذا ما اختل توازن القوى على نحو يهدد النظام القائم. الحفاظ على النظام order وعلى الوضع القائم هو الغاية في هذه النظرية المحافظة . ومن ثم، فإن الحرب كأداة لتصحيح الاختلال في توازن القوى تؤدي إلى إحداث تغيير من داخل النظام لا ينصرف إلى جوهر النظام أو طبيعته الفوضوية anarchic, أو طبيعة علاقاته وقواعده, وإنما تؤدي الحرب الدولية هنا بالأساس إلى تغيير الدولة المهيمنة في النظام، وليس أسس النظام ذاته من حيث وجود مهيمن وآخرين .
ولقد تتابعت البرتغال ثم هولندا ثم بريطانيا ثم الولايات المتحدة على موقع المهيمن منذ القرن السادس عشر حتى الآن. ووفقا لهذه النظرية الواقعية، فإن الأمن هو أمن الدولة State security أي أنه ينصرف إلى التكامل الإقليمي، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار السياسي للدولة. وهو بذلك يجب أمن الفرد والجماعة ويحتويه. أما الأمن الدولي فهو علاقات الأمن فيما بين الدول inter- state security, ويختفي فيها مفهوم الأمن الكوكبي global ويتوارى مفهوم الأمن الإقليمي. يمكن أن يختزل الأمن، وفق هذه النظرية، في مفهوم البقاء، ويزدهر هذا المفهوم للأمن في ظل مناخ وعلاقات الصراع، والتوتر، والحرب. واتساقا مع ذلك التوجه العام القاضي بالسعي لاستحواذ القوة واستخدامها يمثل جوهر السياسة الأمنية للدول، فإن القوة العسكرية تحديدا تمثل محور القوة وأداتها الرئيسية. وهذه المدرسة يمكن القول– مع ذلك- إنها لا تعطي إجابة محددة في شأن حتمية أو عدم حتمية الحرب، وتقوم على القول القائل بأن السياسة صراع دائم ومستمر من أجل الحصول على القوة والسلطان، مهما كانت أهدافها. والسلطان هو الهدف النهائي والفوري الذي تسعى إلى تحقيقه السياسة الدولية. ويتميز المجتمع الدولي المعاصر بوجود التنافس والتنازع جنبا إلى جنب مع العلاقات الدولية التي تسودها المحبة، وحسن الجوار، والتعاون بين الدول. وسيظل هذا الوضع إلى نهاية البشرية. وهذا المفهوم له أهمية كبيرة في تفهم العلاقات الدولية، وتنتهي هذه النظرية إلى أن الأهداف والسياسات الدولية ينبغي أن تقوم على التجربة, وأن تتميز بطابع عملي. والدول وهي تسعى إلى تحقيق النفوذ والهيبة تلجأ إلى وسائل من بينها استخدام القوة المسلحة أو التهديد بها، وينبني على ذلك أن الاستعداد العسكري يعد وسيلة لتحقيق غاية هي بسط النفوذ والسلطان. ووفق ما سبق، فإن النظرية الواقعية تقدم الدليل على أن الحرب أداة لتنفيذ سياسة الدول من ذلك، نجد أن الصليبيين لجأوا إلى استخدام القوة المسلحة من أجAل الاستيلاء على الأماكن المقدسة في الشرق. وأراد النازيون أن يجعلوا من أوروبا الشرقية مقرا للاستعمار النازي, وأن يسيطروا على أوروبا كلها، ويحتلوا العالم. وفى هاتين الصورتين وغيرهما استخدمت القوة المسلحة لتحقيق الأهداف، وعلى ذلك، فإن للحرب وظيفة تؤدى في السياسة الدولية بسبب اعتناق الدول لسياسات القوة. وثمة ملاحظة هي أن صاحب النظرية الواقعية هو هانز مورجانثو، وشرح نظريته في كتابه البحث عن القوة التي تتحكم في العلاقات السياسية بين الدول, ثم قام بدراستها وتحليلها. ومع دراسة تداخل وتأثير هذه القوى في بعضها بعضا, وتأثيرها في العلاقات والنظم السياسية الدولية. ويرى أن السياسة الدولية صراع على القوة والنفوذ الذي يطلق عليه المصلحة التي بدورها جوهر السياسة. كما يرفض الواقعيون فكرة السلام الديمقراطي ويردون عليها بالآتي: 1- إن اعتبارات توازن القوى كانت هي المحدد النهائي في كل نزاع. 2- يستبعد الواقعيون أن تكون كل القوى العظمى في النظام الدولي ديمقراطية، وهو الأمر الذي يعنى في النهاية عدم استقامة هذه النظرية. وإشارة بعضهم إلى أن الدول تكون أكثر ميلا إلى الانخراط في الحروب عندما تكون وسط عملية التحول الديمقراطي، وعلى ذلك يرى هذا الرأي أن الجهود المبذولة لتصدير الديمقراطية قد تتسبب في سوء الأوضاع. ويرى الواقعيون أنه أحيانا قد لا يكون من مصلحة الدول الكبرى أن تتحقق الديمقراطية في دول معينة- الصغرى في النظام الدولي– لأنها قد تجلب بعض العناصر غير المرغوب فيها إلى الحكم في تلك البلدان، ما يهدد المصالح الحيوية للدول الكبرى في هذه المناطق، ويحفل تاريخ الدول الكبرى بعديد من الأمثلة. كما أشار بعض رواد هذه المدرسة إلى أن الديمقراطية خارج العالم الغربي من شأنها أن تدعم الحركات والقوى السياسية المضادة للغرب، وعلى رأسها الحركات الإسلامية. ويتوافق هذا الموقف تماما مع مسلمات الفكر الواقعي, فالقيم والمبادئ تحترم فقط إذا كانت متوافقة مع المصلحة القومية ودون أن تؤثر فيها بأي صورة سلبية، وبمجرد أن يحدث هذا التعارض, تكون الأولوية بلا شك للمصلحة القومية، وهذا بدوره يثير التساؤل: أي نوع من الديمقراطية أو النظم السياسية ترغب فيها القوى الفاعلة في النظام الدولي بشكل عام في عالم الجنوب؟ وهو الأمر الذي يثير اهتمام عديد من التحليلات، حيث تستخدم الديمقراطية كورقة ضغط على النظم ذات التوجهات المعادية لمراكز الهيمنة في العالم. كما يتم غض الطرف عن انتهاكات الديمقراطية في النظم السياسية التي يتبع حكامها مواقف غير مواتية لتلك المراكز. اما أن للسلام، وفقا لهذه المدرسة، محتوى سلبيا، إذ لا يتعدى كونه “غياب للحرب” .
ثانيا: مفهوم الأمن وفق النظرية الليبرالية
أما النظرية الليبرالية فهي نظرية إصلاحية تسعى إلى إصلاح النظام القائم من خلال نهج وإجراءات تطويرية تدريجية. ويتأسس الإطار الفكري لهذه النظرية على رفض وانتقاد فروض النظرية الواقعية، فالدولة لدى الليبراليين ليست الفاعل الوحيد في علاقات الأمن الدولية, بل أحيانا ما يكون لفاعلين آخرين داخل الدول أو عبرها أهمية مكافئة أو أكبر من تلك التي تحظى بها الدولة. والدولة ليست جدارا مصمتا ولا صوتا واحدا، بل تتألف من عديد من المؤسسات والجماعات التي قد تتفاوت رؤاها، وتتباين مصالحها، وتدخل في مساومات للوصول إلى توافق عام حول تلك الرؤى والمصالح . كما أن ثمة مجالا للخطأ في الإدراك أو الحساب أو المعلومات بما يفضي إلى تحركات غير رشيدة في مجال علاقات الأمن. مفهوم الأمن إذن لدى النظرية الليبرالية أقل تبسيطا وأكثر تركيبا منه لدى المدرسة الواقعية. فهو لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أبعاد اقتصادية وثقافية واجتماعية ذات أهمية، وهو لا يتمحور حول القوة القومية للدولة، مقارنة بقوة دولة– أو دول أخرى- بل يقوم على ركيزة بناء الثروة للمجتمع الوطني، وليس في علاقاتها بثروة مجتمعات أخرى بالضرورة. وهذه النظرية تركز على الفوائد المتبادلة التي يمكن للمجتمعات المختلفة أن تجنيها من وراء الاعتماد المتبادل أيضا. وإذا كان تبادل المنافع في ميدان الاقتصاد السياسي الدولي (التجارة, المال, النقود, التكنولوجيا.. إلخ)، هو من ركائز النظرية الليبرالية, فإن حرية المعاملات (تجارة حرة, تبادل حر للأفكار)، هي ركيزة ثانية لا تقل أهمية. وإذا كان النظام order غاية فلسفية للنظرية الواقعية المحافظة، فإن الحرية freedom هي الغاية الفلسفية للنظرية الليبرالية الإصلاحية. وإذا كانت الحرب اتجاها طبيعيا لدى النظرية الواقعية، فإنها خطأ تراجيدي يجب منعه أو تقليل فرصه على الأقل من خلال الاتفاقات، والمنظمات الدولية، وذلك لدى المدرسة الليبرالية التي تهتم أكثر بالتعاون على الاعتماد المتبادل، والمنفعة المتبادلة، وتعليه على المصلحة الوطنية بمعناها الضيق. فالمدرسة الليبرالية تنطلق من أن السياسات العالمية اليوم لا تهتم بالأبعاد الجيوبوليتيكية التقليدية، التي تشمل الأمن والشؤون العسكرية فحسب، بل تهتم أيضا بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية، والبيئية بدرجة كبيرة، ومن تلك القضايا مكافحة الإرهاب، واحترام حقوق الإنسان، ومن ثم فهي تلقي الضوء على القيود المتزايدة على سياسات نظم الجنوب التي عليها الأخذ أو استنساخ نموذج الديمقراطية الغربية من أجل نشر ثقافة السلام في العالم، وكل هذا يحتم فرض القيود، وعديدا من الضغوط من قبل العالم الغربي الديمقراطي على دول الجنوب ويرون أن هناك مدى واسعا من الخيارات المتاحة أمام الدول الليبرالية الغربية من أجل عولمة الديمقراطية الليبرالية. وتتراوح هذه الخيارات بين الحافز المؤسسي والمشروطية السياسية إلى التدخل العسكري. - كما يتصورون أن القضاء على الحروب سيتيح انتشار النظم الديمقراطية الرأسمالية. - ويسوق أنصار ضرورة التأثير الغربي الفعال من أجل الديمقراطية، ولو أدى الأمر إلى تغيير النظام السلطوي إلى الديمقراطية، حججا عديدة أهمها: 1- تعظيم شأن الديمقراطية الليبرالية التي يجب أن تكون بالقوة الجبرية البديل الأساسى للنظم السياسية القديمة. 2- إن القوة الدولية الجديدة تتكون من عدد من الدول غير مندمجة، لكن يحكمها النظام الديمقراطي. 3- إن غالبية دول العالم ذات حكم ديمقراطي, لكن بأشكال مختلفة. 4 – لا يوجد نظام سياسي يحكم بشرعية سياسية سوى النظام الديمقراطي. 5 – لا شك أن النظام السياسي الديمقراطي يرتبط ارتباطا وثيقا بمبادئ حقوق الإنسان التي يجب أن تعيشها جميع الشعوب. 6 – إن تدخل النظام الدولي وتعديه على سيادة عديد من الدول، إنما هو من أجل دعم الديمقراطية والحريات. ومن ثم يكون هدف النظام الدولي الراهن هو القضاء على معاقل النظام السلطوي، وتحويل الدول إلى النظام السياسي الديمقراطي. وهناك عدد من التيارات في إطار النظرية الليبرالية أ- تيار الليبرالية الجديدة في إطار التيار الليبرالي ظهر اتجاه يوصف بالليبرالية الجديدة لا ينازع الفروض الأساسية للمدرسة الواقعية، فيما يخص فوضوية النظام الدولي، ورشد حركة الدولة, ولكنه مع ذلك يحتج بأن التعاون بين الدول يمكن أن ينشأ من خلال بناء معايير، ومؤسسات، وأنظمة regimes أي مجموعة من التوقعات المشتركة، أو المتوافقة بين عدد من المجتمعات في مجال بعينه، كما تعبر عنها مجموعة من القواعد والقيم التي تتفق عليها تلك المجتمعات كأساس للتعاون، فيما بينها أو لضبط العلاقات في ذلك المجال، وبما يسهم في خلق الاستقرار في ظل غياب حكومة عالمية. وفي ظل هذه الرؤية الليبرالية نشأ مفهوم الأمن الجماعي الذي يعني اتفاقا من الدول على الرد الجماعي على أي عدوان تقوم به إحدى الدول المشاركة في النظام . ب- التيار النسوي هو رافد آخر من المدرسة الليبرالية، وهو يركزعلى “ألف”, فإن بعض أنصار هذا التيار يعتقدون أن زيادة ملحوظة في المشاركة النسوية يمكن أن تغير طبيعة النظام الدولي بجعله أكثر أمنا. الحقيقة بين الرجل والمرأة في النظر إلى قضايا الأمن الدولي, وبخاصة ما يتعلق بأن نظرة الرجل أقرب إلى مفهوم الاستقلال autonomy, وأن نظرة المرأة تعلي الروابط connections بما يجعل النظرة الأولى أقرب إلى الرؤية الواقعية, والنظرة الثانية أقرب إلى الرؤية الليبرالية. ولذلك يرى التيار النسوى أيضا أن الرجل أقرب من المرأة في تبني الحرب كأداة لإدارة علاقات الأمن. ولذلك, ورغم أن رؤى بعض الزعامات النسوية, مثل السيدة تاتشر مثلا لا تختلف كثيرا عن نظرة الرجال في هذا الشأن, إلا أن بعض أنصار هذا التيار يعتقدون أن زيادة ملحوظة في المشاركة النسوية يمكن أن تغير طبيعة النظام الدولي بجعله أكثر أمنا. ج- تيار مدرسة دراسات السلام وضمن التيار الليبرالي أيضا تأتي مدرسة دراسات السلام التي أضفت طابعها القائم على تعدد التخصصات– علوم سياسية, فيزياء, علم نفس.. إلخ– على مفهومها للأمن, ومن ثم فإن تلك المدرسة أدت إلى توسيع نطاق دراسات الأمن، لتشمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تجاهلتها المدرسة الواقعية. وتقر دراسات السلام بانحيازها الأيديولوجى إلى السلام باعتباره شيئا طيبا– والحرب شيء رديء– كما أنها أسهمت كذلك في وضع النظرية موضع التطبيق من خلال مشاركة جماعات السلام وحركاته في العملية السياسية. مدرسة دراسات السلام ترى أن العسكرية militarism في عديد من الثقافات تسهم في ميل الدول للجوء إلى القوة force في المساومة الدولية. وإذا كان السلام لدى المدرسة الواقعية سلبيا، ويعني غياب الحرب, فإن السلام الإيجابي لدى مدرسة دراسات السلام يتجاوز ذلك الموقف إلى البحث في الظلم والفقر باعتبارهما شرطين لقيام العنف. ومن ثم، فإن اللاعنف– بمعنى نبذ القوة– يمكن أن يكون أداة فعالة للتأثير، خصوصا لدى الشعوب الفقيرة أو المقهورة (حركة المقاومة المدنية بقيادة المهاتما غاندي في الهند).
ثالثا: مفهوم الأمن وفق النظرية الثورية
أما النظرية الثورية فإنها نقيض تلك المحافظة, فهي– الثورة– تسعى إلى تغيير النظام، وليس مجرد إصلاحه. والتغيير واجب لأن النظام يعاني حالة ظلم بيّن. ولذا فإن التغيير السريع والثوري يصبح ضروريا. وجدت هذه الرؤية صدى كبيرا في دراسة علاقات الشمال– والجنوب والتنمية في عالم الجنوب، وذلك بسبب الظلم العظيم والفقر المدقع الذي تعانيه أغلبية شعوب العالم. والنظريات الثورية عامة تعلي من شأن قيمة العدالة, وترى الحرب كمحصلة لعلاقات الاستغلال الاقتصادية المسيطرة, وأخيرا ترى التغيير في هذه العلاقات الاقتصادية مفتاحا لحل مشكلة الحرب .
رابعا: مفهوم الأمن وفق النظرية الرومانتيكية
وأنصار النظرية الرومانتيكية يعتنقون مبدأ حتمية الحرب وضرورتها، وأغلب أنصار هذه النظرية من الألمان, وفي مقدمتهم هنريش فون ترشك, يؤكدون أهمية الحرب, وأنها ستبقى إلى نهاية البشرية طالما وجدت الدول. ومرد ذلك– عندهم– إلى نواميس وقوانين المجتمع الدولي، والطبيعة الأصيلة للبشر التي تجعل من الحرب أمرا حتميا سيظل قائما دون أى أمل في استئصاله. وقد هجرت هذه النظرية بسبب عدم قبول المفكرين والعلماء لها، وعدم مسايرتها للأفكار العلمية الحديثة.
د. عبدالعظيم محمود حنفي