| |
 
تخطي ارتباطات التنقل
الرئيسية
نبذة عن المجلة
كلمة رئيس التحرير
للاتصال بنا
المخاطر العسكرية والأمنية لمرض إنفلونزا الخنازير 
 

منذ أبريل عام 2009م دخل العالم في حالة من الهلع واسعة النطاق بسبب ظهور فيروس إنفلونزا الخنازير, أو ما يعرف علمياً بفيروسA/H1N1 ، وبدأت التحليلات تتحدث على استحياء عن أسباب ومصادر هذا المرض، واحتمالات أن يكون ناتجاً عن خطأ علمي في مختبرات التجارب العلمية, أو في مختبرات القوات المسلحة في بعض الدول التي تعمل في مجال أبحاث الحرب البيولوجية. ولكن الملاحظ- كما في الحالات السابقة لانتشار الأمراض الوبائية الخطيرة في العالم- أن العالم قفز على الحديث عن الأسباب, وركز كل النقاش والجهود والإجراءات على كيفية مواجهة المرض, وكيفية السيطرة عليه حتى لا يتحول إلى وباء واسع الانتشار في العالم يمكن أن يقتل الملايين من البشر.

لأن الأسباب الحقيقة لظهور هذا المرض لم تحسم بشكل قاطع, فقد أدى ذلك إلى فتح الباب واسعاً, أمام الادعاءات, والتخمينات, والتفسيرات التي تستند إلى نظرية المؤامرة، ففي إطار هذه التحليلات لم تغب نظرية المؤامرة كالعادة في مثل هذه الكوارث الدولية، حيث بدأ البعض يوجه اتهامات مبطنة لشركات الأدوية، مدعياً أن الإعلان عن هذا المرض في هذا التوقيت جاء لصالح شركات إنتاج الأدوية, ومنها أدوية الإنفلونزا بأنواعها، خصوصاً عقار (التاميفلو) المضاد لإنفلونزا الطيور، وذلك في محاولة لتمكين هذه الشركات من تحقيق أرباح تكفي لإخراجها من الأزمة المالية التي ضربتها خلال عامي 2008م، 2009م، بل والادعاء بأن منظمة الصحة العالمية تعمدت تضخيم خطورة هذا المرض لتحقيق هذا الهدف لتلك الشركات. واتسعت نظرية المؤامرة لتتهم البعض بتسريب هذا الفيروس القاتل من مختبرات القوات المسلحة في إحدى الدول، أو أنه ناتج عن أخطاء معملية لتجارب علمية خرجت عن السيطرة في هذه المختبرات.  ولكن رغم جوانب الضعف في التفسيرات التي تتبنى نظرية المؤامرة تبقى أهمية ذكرها للتعرف إلى كيفية تفكير العالم حول هذه الأمراض الوبائية التي تمثل تهديداً للأمن  والاستقرار العالمي، كما تبقى ضرورة التأكيد على خطورة هذا المرض والسيناريوهات المتوقعة بشأنه خلال الفترة القادمة، والتحذير من خطورة تحوله إلى وباء عالمي شبيه بما حدث في الستينيات، وخطورة أن يتحول هذا الفيروس لمادة خصبة للجيوش تعمل على استخدامها كسلاح بيولوجي في الحروب والنزاعات العسكرية، وكذلك خطورة أن تتمكن الجماعات الإرهابية من استخدامه كسلاح لزعزعة, وضرب الاستقرار الأمني في بعض مناطق العالم؟ لذلك يحاول هذا الموضوع إلقاء الضوء على خطورة هذا المرض، والخسائر المتوقعة له في أسوأ السيناريوهات المحتملة له خلال السنوات القادمة، وعلاقته بالقوات المسلحة في العالم، وفرص واحتمالات استخدامه من جانب الجيوش لأغراض عسكرية أو من جانب الجماعات الإرهابية كسلاح فتاك.


أولاً: الأبعاد الحقيقية لخطورة مرض إنفلونزا الخنازير:
رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية من خطورة مرض إنفلونزا الخنازير, ورفع حالة الاستعداد للمستوى الخامس على مقياس من 6 درجات، إلا أنه حتى كتابة هذه السطور ما زال مرض إنفلونزا الخنازير لا يشكل الخطورة القصوى التي عرفت عن فيروسات أخرى في تاريخ البشرية، وذلك رغم أنه أصبح مهيأ، ليكون وباءً عالمياً بعد أن أشارت الأدلة العملية إلى أن نوعين من فيروسات الخنازير غير القادرة على الانتقال بين الأشخاص قد امتزجا لينتج عنهما نوع جديد يمكن أن ينتقل بين الأفراد بسهولة عبر الهواء. وكذلك ما زالت أعداد الوفيات بسبب هذا المرض محدودة, رغم اتساع نطاق انتشاره, وتضاعف عدد المصابين به في فترة قصيرة، وذلك مقارنة بالوفيات التي تسببها أمراض أخرى، حيث تشير الأرقام إلى أن الإنفلونزا الموسمية العادية تتسبب في وفاة أكثر من 30000 شخص سنوياً، وأن هناك موجات ضارية من الإنفلونزا تضرب العالم كل نحو 10 سنوات مسببة أعداداً كبيرة من الوفيات بين البشر, ففي عام 1968م تسببت في وفاة نحو مليون شخص على الأقل، وخلال عامي 1918م-1919م تسببت الإنفلونزا الإسبانية في وفاة نحو 100 مليون شخص أو أكثر، حيث لم تفصح المنظمات الدولية عن العدد الحقيقي للوفيات الذي يعتقد بأنها أكثر من ذك بكثير. وتشير بعض السيناريوهات إلى أنه في حالة انتشار الوباء بإنفلونزا الخنازير في العالم سيبلغ عدد من سيحصدهم المرض نحو 62 مليون نسمة، 96% منهم سيكونون في الدول النامية، وقد قدرت الحكومة البريطانية, على سبيل المثال, أن إجمالي من سيحصدهم المرض في بريطانيا سيتراوح بين 55 إلى 750 ألف نسمة، وذلك حسب معدلات تفشي المرض, ومدى تحوله إلى حالة الوباء، كما أشارت إلى أن اقتصاد بريطانيا يمكن أن يتكبد خسائر تراوح بين 3 و7 مليارات جنيه إسترليني, وذلك نتيجة غياب العمال عن العمل، كما أن الإنتاج سيتقلص بنحو 7 مليارات جنيه إسترليني في أسوأ حالات انتشار الوباء في بريطانيا. ولا شك أن الخسائر البشرية والاقتصادية التي سيتكبدها العالم في حالة تحول إنفلونزا الخنازير إلى وباء ستكون فادحة, ولا يمكن التكهن بها على وجه الدقة، ولكن يمكن القول بأن تعامل دول العالم مع مرض إنفلونزا الخنازير في حالة تحوله لوباء عالمي سيكون أشبه إلى حد كبير بالاشتباك مع العدو في معركة مباشرة وجهاً لوجه، وهذا يعني في العرف العسكري أنه لا توجد خطة عسكرية ناجعة يمكن أن تنجو من خلالها عند الاشتباك مع العدو في هذه المعركة، ومن ثم فإنه لا توجد خطة ناجعة تجعل أي دولة من الدول بمنأى عن هذا الخطر في حالة تحوله إلى وباء عالمي واسع الانتشار، وسيقف جنرالات الصحة في مختلف بلدان العالم موقف المحارب المحاصر الذي فقد كل أسلحته, وانقطعت عنه خطوط الإمداد والتموين, وما زال يقاوم, ويرفض الاستسلام للعدو.

ثانياً: ارتباط الإنفلونزا بالقوات المسلحة عالمياً:
لا شك أن القوات المسلحة في أي دولة تكون حاضرة بقوة في حالات الكوارث الصحية والطبيعية، حيث تعد السيطرة على هذه الكوارث أو الأوبئة معركة حقيقية أمام هذه القوات، وفى الغالب تلجأ الدول للقوات المسلحة في هذه الظروف لضخامة العمل المطلوب إنجازه ولاتساع نطاق الأعمال, والتنظيمات المطلوبة للسيطرة على هذه الكوارث والأمراض، ولأن القوات المسلحة غالباً يتوافر لديها إمكانات بشرية كبيرة, وتجهيزات هائلة تفوق ما لدى قوات الدفاع المدني, وقوات الأمن الداخلي, وإمكانات الوزارات المعنية بالصحة والشؤون الاجتماعية، ومن ثم ففي حالة انتشار وباء إنفلونزا الخنازير- لا قدر الله- ستكون القوات المسلحة حاضرة بقوة على الساحة في جميع دول العالم للقيام بعمليات عزل المناطق الموبوءة والسيطرة عليها، وتقديم الإمدادات الغذائية, والدوائية, وعمليات الإخلاء, والدفن للضحايا، وهو نفس الوضع الذي وضعت فيه القوات المسلحة في حالة انتشار مرض الإنفلونزا الإسبانية في عامي 1918م ـ 1919م. ولكن من المفارقات الغريبة أن انتشار مرض الإنفلونزا, سواءً الإسبانية منها أو إنفلونزا الخنازير, ارتبطت بالقوات المسلحة، حيث تفيد التقارير بأن الإنفلونزا الإسبانية ظهرت لأول مرة في معسكر الجيش في ولاية كانساس الأمريكية عام 1918م، وأن هذا الوباء انتقل إلى أوروبا أيضاً عن طريق أفراد القوات المسلحة الأمريكية الذين ذهبوا إلى هناك، ومن ثم فقد ساهم انتقال الجنود بين دول العالم في انتشار هذا المرض الذي أودى بحياة الملايين من الأشخاص حول العالم. كما أن التقارير تشير إلى أن وباء إنفلونزا الخنازير ليس بجديد على القوات المسلحة الأمريكية، حيث هناك تأكيدات بأن هذا المرض ظهر في عام 1976م، وأصيب به نحو 240 عسكرياً داخل إحدى القواعد العسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية ((Fort Dix، وقد توفي منهم شخص واحد فقط في حين تم علاج الباقين.  وفى شهر مايو عام 2009م ومع بداية انتشار مرض إنفلونزا الخنازير, تم الكشف لأول مرة عن هذا المرض بمنطقة الخليج العربي في الكويت، وذلك بالكشف عن إصابة عدد من الجنود الأمريكيين بهذا المرض، وهو ما يعني أن حركة أفراد القوات المسلحة الأجنبية حول بلدان العالم تعد ناقلاً جيداً وسريعاً لوباء إنفلونزا الخنازير، ومن ثم فإن الدول التي توجد بها قوات غربية, وقواعد لحلف الناتو, أصبحت معرضة أكثر من غيرها لاستقبال مثل هذه الأوبئة.

ثالثاً: اتهامات متنوعة بشأن إنفلونزا الخنازير:
لوحظ في انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة خلال السنوات الماضية أن العالم يقفز فوق الشرح والكشف عن أسباب حدوث الوباء, وظهور الفيروس المسبب له، ويركز بشكل أساسي على مواجهة المرض, والحد من انتشاره، وهو نفس المسلك الذي سلكه العالم في حالة مرض الإيدز الذي انتقل من القرود في إفريقيا إلى الإنسان, وقتل, وما زال يقتل, ملايين البشر، ونفس الأمر تم مع مرض إنفلونزا الطيور, ومرض الجمرة الخبيثة (إنثراكس)، ومرض سارس, وأخيراً مع مرض إنفلونزا الخنازير.  وبغض النظر عن إيماننا في العالم الإسلامي بأن مرض إنفلونزا الخنازير ناجم بسبب استخدام الإنسان لهذا الحيوان كمصدر للغذاء على نطاق واسع رغم تحريم أكله في جميع الأديان السماوية، ورغم إثبات العلم خطورته وأضراره على صحة الإنسان, ونتيجة لتغافل العالم الغربي عن هذه الحقيقة, وعدم تقديمه أسباباً مقنعة لظهور هذا المرض، فإن هذا التصرف العالمي جعل الباب يبقى مفتوحاً دائماً أمام الترويج لنظرية المؤامرة، التي تدعي بأن هذه الأمراض انتشرت بفعل فاعل، سواءً بهدف إجرامي متعمد، أو بسبب خروج تجارب بحثية عن السيطرة, كان يقوم بها البعض لأهداف علمية, أو طبية, أو عسكرية.  ولكن في كل الأحوال توجه جميع أصابع الاتهام إلى الجنس البشري في إيجاد هذه النوعية المدمرة من الفيروسات الوبائية، ومع تنوع هذه الاتهامات تتنوع الأسباب التي يمكن أن تفسر ظهور وباء إنفلونزا الخنازير، وذلك على النحو التالي: 1ـ الأسباب البيئية: هناك تفسيرات تذهب إلى أن تدمير البيئة من جانب الإنسان هو السبب في كثير من الأمراض الوبائية المدمرة, ومنها إنفلونزا الخنازير، حيث إن الإنسان حاول المحافظة على نمط غذائي واستهلاكي معين لمواجهة الزيادة السكانية المتفاقمة في العالم، واستخدم في ذلك الهندسة الوراثية والجينية لزيادة الإنتاج النباتي والحيواني، كما أفرط في استخدام الكيماويات، وأطعم الحيوانات والطيور النباتية البروتينات الحيوانية لزيادة إنتاجيتها, وتعظيم أرباحه, ومن هنا كان الخلل البيئي الذي أوجد الأمراض التي لم تكن معروفة في السابق مثل أمراض السرطان وجنون البقر, وإنفلونزا الطيور, والخنازير.  والدليل على ذلك, في حالة مرض إنفلونزا الخنازير, أن المكسيك لم تكن مصدراً لهذا الوباء بالمصادفة، حيث تبين أن المرض ظهر في البداية في مدينة ( لاجلوريا ) في ولاية (فيراكروز) المكسيكية، حيث توجد مزرعة أمريكيةـ تعد الأكبر في المكسيك ـ لتربية قطعان الخنازير، وهي قادرة على إنتاج نحو مليون رأس في السنة، هذا النوع من المزارع مشابه لما هو موجود في الولايات المتحدة، حيث يتم تكديس مئات الآلاف من هذه الحيوانات في مساحات ضيقة, ومن ثم لا تتعرض لأشعة الشمس والهواء الجوي بغرض التجارة, وسد حاجة استهلاك المجتمع الغربي لهذه النوعية من اللحوم، ومن ثم تزيد فرص تعرض هذه الحيوانات للأمراض. وهذه النوعية من المزارع معروفة بطرق تعد لا إنسانية, بل بعيدة عن عنصر الرحمة للإنتاج وبطرق رعي صناعية، وهذه الطرق تسبب خفض مناعة الحيوانات، ولذلك تقوم هذه الشركة بحقنها بالأمصال, ورشها بالمبيدات الحشرية. كما أن هناك عديداً من التحديات البيئية لمعالجة مخلفات هذا الرقم الهائل من الذبائح، إذ يقدر البيئيون مجموع المخلفات الناتجة بنحو 26 مليون طن سنوياً، كما أن مالكي هذه المزارع لا يستخدمون طرقاً بيئية وصحية للتخلص من هذه المخلفات، بل يتم ترك بعض من السموم والمبيدات بدون معالجة، وبالتالي تتسرب ملوثات عديدة من هذه البقايا إلى المياه الجوفية, والنظام المائي مسببة آثاراً بيئية ضارة تتسبب في إصابة الحيوانات نفسها بالأمراض الوبائية. 2ـ أسباب تعود للممارسات الإنسانية المتطرفة:  هناك اتهامات للإنسان بأنه حول بممارساته المتطرفة الأمراض الفيروسية الكامنة غير الوبائية إلى أمراض فيروسية وبائية، والدليل على ذلك أن مرض نقص المناعة (الإيدز) ظل كامناً في قرود الشمبانزي لقرون طويلة دون إلحاق الضرر بالإنسان، ولكنه تحول إلى فيروس وبائي بعد أن خالط الإنسان قرود الشمبانزي جنسياً، وبعد أن خالف الإنسان الفطرة في الممارسات الجنسية بانتشار الجنس الذي ينتج عنه اجتماع مني أكثر من رجل لدى امرأة واحدة، وهو ما يخالف جميع الشرائع السماوية, ويخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها. 3ـ أسباب علمية واقتصادية: هناك من يتهم الإنسان بالعبث بالعلم، حيث تشير بعض الكتابات إلى أن مرض إنفلونزا الخنازير ناتج عن جراثيم جديدة تم تسريبها من مختبرات علمية في دولة ما في العالم إما بطريق الخطأ, أو بشكل متعمد لأسباب سياسية, وأمنية, واقتصادية، وأن شركات إنتاج الأدوية هي التي تقف وراء إثارة هذا الرعب في العالم بغرض دفع الدول لشراء كميات كبيرة من أدوية مواجهة هذا المرض لتحقق أرباحاً تمكنها من تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية. 4ـ أسباب عسكرية وأمنية: هناك بعض التفسيرات التي ذهبت إلى أن إنفلونزا الخنازير هي في الأساس صناعة عسكرية، حيث هناك ادعاءات نشرت في وسائل الإعلام بأن عينات فيروسية خطيرة اختفت من مركز الأبحاث الطبية التابع للجيش الأمريكي قبل ظهور هذا المرض، حيث يقوم هذا المركز بإجراء تجارب على فيروسات مثل (إيبولا), و(انثراكس)، وفي المقابل هناك تفسيرات تذهب إلى أن هذا الفيروس تم إطلاقه للحد من تزايد سكان العالم، في حين يرى آخرون أن الفيروس تم إطلاقه في هذا التوقيت بغرض قتل الرئيس الأمريكي باراك أوباما أثناء زيارته للمكسيك.

رابعاً: تأثير إنفلونزا الخنازير على الأمن القومي للدول:
من المعروف أن لكل دولة من الدول أبعاداً لأمنها القومي بمفهومه الشامل، وفى الأحوال العادية يعد التهديد العسكري أو الاقتصادي من أخطر الأمور التي تهدد هذا الأمن القومي، وفي الغالب تحرص الدول على تعزيز قواتها المسلحة, وتزويدها بأحدث الأسلحة والمعدات والعتاد العسكري، للحفاظ على هذا الأمن القومي، وصد أي محاولات لاختراقه أو تهديده. وبمرور الزمن, وتعقد السياسة العالمية, وتزايد الصراع الدولي في المجالات السياسية, والاقتصادية, والثقافية, والعسكرية أصبح الأمن القومي يتسع ليشمل جوانب سياسية وتكنولوجية, وثقافية, ومائية, ودوائية, وغذائية, إضافة إلى الجوانب السابقة. وجاءت إنفلونزا الخنازير, وما على شاكلتها من الفيروسات الوبائية لتزيد من توسيع مفهوم الأمن القومي لكل دول العالم. ففي ظل المرض الوبائي لإنفلونزا الخنازير, أصبح الأمن القومي لمعظم دول العالم في خطر، وذلك لأن المرض لا يعرف الحدود الدولية, ولا يعرف الوسائل الدبلوماسية للعبور من خلال هذه الحدود، ولا يمكن استخدام القوات المسلحة لصد هجومه على حدود أو عمق الدولة. ومن هنا أصبح الأمن القومي لأي دولة لا يرتبط بحدودها الجغرافية, ولا يعتمد على قواتها وإمكاناتها العسكرية والدفاعية، وإنما اتسع نطاق هذه الحدود ليشمل كل العالم، وأصبح الجميع مدنياً وعسكرياً معنياً بمواجهة هذا الوباء, لأنه يهدد أمنه القومي, أينما كان, وأينما حل, أو ارتحل, وهو ما يعني أن هذا الوباء خلق حالة استثنائية من مفهوم الأمن القومي على مستوى الدول. ويمكن القول أيضاً بأن هذه الفيروسات الوبائية جعلت القدرات العسكرية غير قاصرة على قدرة القوات المسلحة على إدارة المعارك التقليدية والانتصار فيها، ولكن اتسع الأمر ليشمل قدرة القوات المسلحة ضمن منظومة الدولة على إدارة الكوارث, ومواجهة مثل هذه الأمراض الوبائية في حالة انتشارها. والأخطر في الأمر بالنسبة لمرض إنفلونزا الخنازير أنه يمثل تهديداً واضحاً لكل فرد في العالم مهما كان، وهو ما يهدد الأمن القومي للدول ككل طالما كان أمن كل فرد من أفرادها مهدداً، فلا أحد ينكر أن أي  شخص في العالم غير آمن على صحته وحياته من هذا المرض, سواءً كان يأكل لحم الخنزير, أم لا وسواءً كان في بلده خنازير أم لا، وسواءً كان أعزل أو مسلحاً، فهذا المرض لا يعرف التمييز بين شخص وآخر.

خامساً: إنفلونزا الخنازير سلاح بيولوجي بيد القوات المسلحة والجماعات الإرهابية:
من المعروف أن الحرب البيولوجية جزء مهم من المعارك الشاملة بين القوات المسلحة المحترفة في العالم، ولا شك في أن الجيوش في أغلب الدول تعكف على تطوير الأسلحة المستخدمة في مثل هذه الحروب, مستخدمة في ذلك الأمراض الفيروسية التي يمكن أن تشكل وباءً ينشر الذعر, ويفتك بقوة أفراد القوات المعادية, بل وبشعوبها أيضاً، وليشغل الدولة المعادية بمواجهة هذه الأوبئة, وينهكها مادياً وعسكرياً, ويجبرها على الاستسلام أو يعجل بهزيمتها في المعركة، وهناك عديد من دول العالم التي لم تتورع قواتها المسلحة عن استخدام الأسلحة البيولوجية في حروبها, ومن بينها القوات الإسرائيلية التي استخدمت هذه الأسلحة في حروبها ضد القوات المصرية في سيناء. ويشير عديد من التوقعات إلى احتمال استخدام مرض إنفلونزا الخنازير في الحروب البيولوجية بعد إعداد الفيروسات المسببة له في المعامل العسكرية، وهو ما يعني الاستعداد من جانب القوات المسلحة في مختلف دول العالم وتدريبها لمواجهة احتمالات تعرضها لهذا النوع من الفيروسات القاتلة في حالة دخولها أو مشاركتها في حروب.  ومن البوادر الدالة على احتمال حدوث ذلك في مجال الصراع العسكري العربي الإسرائيلي ما لوحظ خلال عام 2009م من زيادة شكوى المواطنين الفلسطينيين القاطنين في القرى القريبة من جدار الفصل العنصري من استخدام الدوريات العسكرية الإسرائيلية لقطعان الخنازير لبث الذعر بين سكان هذه القرى، حيث يتم إطلاق هذه القطعان بشكل متعمد, وتحت حماية القوات المسلحة في مزارع هذه القرى, وقرب المساكن لإجبار السكان على الرحيل من قراهم, خوفاً من المرض, ولإتلاف مزارع الفلسطينيين، في نفس الوقت تمنع القوات المسلحة الإسرائيلية دخول أدوات مكافحة الخنازير من مبيدات وأسلحة وغيرها إلى هذه القرى, وتمنع الاتجار بها، وتقوم بإغلاق المحال, وحبس من يتم ضبط هذه الأدوات لديه.  وهذا مؤشر على أن القوات الإسرائيلية بدأت خطوات استخدام مرض إنفلونزا الخنازير كسلاح لإرهاب الفلسطينيين عندما أصبحت مهتمة بنشر الخنازير في المزارع, ومناطق القرى الفلسطينية لتكبيد المزارعين خسائر كبيرة, ولجعل المواطن الفلسطيني يعيش في هاجس خوف من مرض إنفلونزا الخنازير التي تنتشر بسرعة بين الأفراد، وليس من المستبعد, بل من المؤكد, أن تقوم بتطوير هذا الأمر في معاملها العسكرية لنشر المرض بين الفلسطينيين بعد أن تقوم بتحصين مواطنيها وجنودها.  أيضاً ليس من المستبعد أن تستخدم الجماعات الإرهابية هذا المرض لنشر الذعر, وتقويض الاستقرار في مناطق كثيرة من العالم، خاصة إذا تمكنت هذه الجماعات من الحصول على هذه الفيروسات من المختبرات التي تجري أبحاثاً عليها، وذلك كما حدث مع مرض الجمرة الخبيثة، ومحاولات هذه الجماعات استخدامها بوضعها في طرود البريد وفي أجهزة التهوية في بعض المباني الإستراتيجية في بريطانيا والولايات المتحدة.  ومن ثم, فإن عدم تحول مرض إنفلونزا الخنازير لوباء, ونجاح العالم في السيطرة على انتشاره لا يعني زوال الخطر، وذلك لأن هذا الوباء الخطير قد انضم للفيروسات الفتاكة التي يمكن أن تستخدم في الأسلحة البيولوجية من جانب القوات المسلحة أو من جانب الجماعات الإرهابية في أي دولة من دول العالم. وفي ضوء ما سبق يجب الاستعداد من الآن على الصعد المدني, والعسكري, والأمني، وتشغيل المختبرات بكامل طاقاتها بما فيها المختبرات العسكرية لإنتاج, ومراكمة الأدوية, والأدوات المضادة للفيروسات بصفة عامة, وللفيروسات الوبائية مثل إنفلونزا الخنازير بصفة خاصة، وتدريب القوات العسكرية والأمنية على كيفية التعامل مع هذا الوباء في حالة انتشاره، وذلك لأن هذه الفيروسات مرشحة للعودة لمهاجمة العالم بشكل أكثر شراسة في سنوات قادمة من خلال دورتها الزمنية المتكررة، ولأنه قد تزايدت احتمالات استخدامها كسلاح بيولوجي فتاك في الحروب المسلحة أو في العمليات الإرهابية. وعلينا أن ننطلق في هذا المجال من الحكمة العسكرية التي تقول ( إن التدريب والاستعداد وقت السلم يوفر الدماء وقت الحرب ).