محتوى الصفحة
ترجع أهمية نشأة الصناعات الحربية الأوروبية إلى تأثرها بالعقيدة العسكرية الأوروبية، التي تعتبر أن السلاح هو العامل الحاسم في تحديد نتيجة المعركة، هذه العقيدة لم تكن متبناة لدينا في الشرق، حيث يعتبر الشجاعة والإقدام من العوامل الحاسمة لتحديد نتيجة المعركة، هذا يفسر قيام المماليك في الحرب بالاصطفاف على شكل هلال، والهجوم السريع للفرسان بشجاعة وإقدام بطريقة عشوائية غير منظمة لكي يصاب العدو بالذعر، ويفل هاربا. هذا التكتيك قد ينفع مع جيش من جيوش الشرق الأوسط، ولكن للأسف لم ينفع المماليك في معركة الأهرام مع الفرنسيين. فقد تمكن الفرنسيون بسلاحهم المتفوق من تدمير جيش المماليك في أقل من ساعتين، وقتلوا 5000 من المماليك مقابل 300 فقط من جيش نابليون، ولم تنفع المماليك الشجاعة الفائقة التي أظهروها بالرغم من أن هذه الشجاعة أذهلت نابليون لدرجة أنه اتخذ أحد المماليك ليكون سكرتيره الخاص، واستمر معه حتى عندما أصبح إمبراطوراً لفرنسا، نفس الشيء حدث للهنود الحمر في أمريكا اللاتينية عندما استطاع أقل من 200 جندي إسباني هزيمة آلاف الجنود من المقاتلين الهنود. أيضا تمكن نابليون من هزيمة جميع دول أوروبا بصناعاته العسكرية، خاصة المدفعية التي كانت الأفضل في العالم، لكنه انهار في النهاية، ولم تلحق فرنسا بالثورة الصناعية، إلا بعد أربعين عاماً أيام نابليون الثالث. كذلك هُزمت فرنسا من إنجلترا، وهُزمت جميع دول أوروبا من نابليون فرنسا، ثم هُزمت فرنسا من بسمارك ألمانيا في عام 1871، وتم أسر الإمبراطور الفرنسي.. وبالرغم من كل هذه الهزائم إلا أن الدول الأوروبية تمكنت من تحقيق نهضة صناعية متقدمة في تلك الفترة. اليوم.. وفي ظل توافر المناخ والبيئة الملائمة للإنتاجية يتحتم علينا توفير الفرص للموهوبين، والمبدعين، والمخترعين من أبناء الوطن لتقديم ابتكارات وإبداعات ذات قيمة صناعية يتم تسويقها واستثمارها لخدمة التنمية، والاقتصاد الوطني، وتحمل لواء الصناعة السعودية المعرفية المستقبلية للقطاعات الصناعية المختلفة في المملكة، التي يمكن لها أن تسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية. يقول خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رئيس مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع ‘’موهبة’’: “إن الموهبة دون اهتمام من أهلها أشبه ما تكون بالنبتة الصغيرة دون رعاية أو سقيا، ولا يقبل الدين ولا يرضى العقل أن نهملها أو نتجاهلها، لذلك فإن مهمتنا جميعاً أن نرعى غرسنا، ونزيد اهتمامنا ليشتد عوده صلباً، وتورق أغصانه ظلاً يستظل به بعد الله لمستقبل نحن في أشد الحاجة إليه، في عصر الإبداع، وصقل الموهبة وتجسيدها على الواقع خدمة للدين والوطن”. بهذه الكلمات عبر خادم الحرمين الشريفين عن اهتمامه وحرصه بالاستثمار في بناء المواطن، الذي يعتبر من أهم الأهداف التنموية في الاستراتيجية الحديثة، ومن أوليات قيادتنا الرشيدة نحو مجتمع مبدع. ورعاية خادم الحرمين الشريفين لمعرض ‘’ابتكار 2010’’ دليل حرصه على هذه المنظومة الوطنية الفاعلة، التي تضم عديدا من المؤسسات، والهيئات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والمنظمات، والأفراد، وأبدع فيها المبدعون والمبدعات، والمخترعون والمخترعات، والموهوبون والموهوبات من جميع الفئات السنية، ليسهموا في رفع علم المملكة في المحافل الدولية، كما يؤكد حرص القيادة على غرس ثقافة العمل الإبداعي، انطلاقاً من أهمية هذا العمل في دفع المملكة إلى مصاف دول العالم الأول. إن تقدير أعمال هؤلاء الباحثين والمبتكرين (جيل نواة المستقبل الواعد)، وفي هذه السن المبكرة، من شأنها أن تنطلق بهم إلى مدارات أكبر من التحدي والنجاح، بما يعود بالفائدة عليهم، وعلى المؤسسات الوطنية. فالمستقبل أمامهم سيكون مزدهرا لما توفر لهم من القيادة من دعم وتشجيع للدخول إلى تقنيات النانو، وصناعة الطاقة، والعلوم، والطب، والفضاء... إلخ. وإذا ما تابعنا الجهود المبذولة في سبيل إيجاد هذه النوعية من الكوادر الوطنية يظهر هدف رئيسي، ألا وهو بناء الإنسان قبل بناء المنشأة، وأن مثل هذا الاهتمام بتكريم الكوادر الوطنية بتنمية ثقافة الابتكار والإبداع سيعمل على صناعة ثروة بشرية جديدة، وخلق بيئة تنافسية داخل مؤسساتنا الوطنية، بما ينعكس على تحسين إنتاجيتها، وتحسين تنافسيتها عالميا، وإرساء قواعد الاقتصاد المعرفي في المملكة. إن الاستثمار في الإنسان من شأنه تحول مجتمعنا إلى المجتمع المعرفي الذي يمكنه من إيجاد الحلول للتحديات القائمة والمستقبلية من خلال تشجيع الابتكارات في مجال تطوير تقنيات جديدة، أو تحسين تقنيات الإنتاج المستخدمة، ليعكس مزيدا من العناية بالإبداع، وحماية الإنتاج الفكري المتميز للأجيال الجديدة، والمساهمة في بناء بيئة خصبة للاستثمار في رعاية الأفكار الإبداعية من خلال هذا المعرض الذي يلتقي فيه الصناعيون، والمبدعون، والجهات المتخصصة في العناية بالأفكار الخلاقة، بما يسهم مستقبلا في دعم إسهامات المؤسسات في الاقتصاد السعودي، وصولا إلى تعزيز وإعلاء صرح البناء والصناعة، الذي وضعت أساساته حكومتنا الرشيدة. من الفخر والاعتزاز أن يبنى الوطن بسواعد أبنائه، لتحقيق أهدافه الوطنية في مجالات حياتنا اليومية عبر الأجيال الممتدة على جسور وخطط مدروسة مبنية على منهجية علمية هدفها إرساء قاعدة متكاملة من السواعد الوطنية لخدمة أهداف التكامل مع القطاع الأهلي والحكومي، وباستخدام معايير عالمية مرموقة لضمان نجاحها في تحقيق أهدافها، وللوصول إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى. وأخيرا، لنا أن نقدر مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين في جلسة مجلس الوزراء في 6 / 9 / 1431هـ، بالموافقة على استحداث جائزة باسم (جائزة خادم الحرمين الشريفين لتكريم المخترعين والموهوبين)، التي تهدف إلى الإسهام في تطوير مجالات العلوم والتقنية والصناعة في المملكة، وتشجيع وتقدير المخترعين والموهوبين، وتنمية روح الإبداع والابتكار والاختراع. وفكرة هذه الجائزة دليل حرص القيادة على تحول المملكة لمجتمع مبدع، ولتأكيد الرؤية الوطنية للموهبة والابتكار لتحفيز المواهب والقدرات، واستثمار طاقة أفراد المجتمع وحثهم على التنافس المثمر، الذي يمثل تجاوباً مع متطلباًت العولمة، ودخول المملكة منظمة التجارة العالمية، وازدياد حدة التنافس بين الدول الصناعية، ويساعد مجتمع الموهبة والإبداع على تقديم ابتكارات وإبداعات ذات قيمة صناعية واقتصادية يتم تسويقها واستثمارها لخدمة التنمية والاقتصاد الوطني.
العميد الدكتور / صالح بن إبراهيم الطاسان