تكتسب نظم الدفاع الصاروخي المتوسطة والبعيدة المدى أهمية متزايدة في تكتيكات الحروب الحديثة وفي الخطط الإستراتيجية للدفاع، خاصة مع انتشار التهديدات الصاروخية المتطورة على المستوى العالمي كالصواريخ البالستية, والصواريخ الجوالة, بالإضافة إلى الطائرات, والطائرات دون طيار. والدول التي تتزود بنظم الدفاع المتوسطة والبعيدة المدى المتطورة تكون في وضع تصعب مهاجمته. وقد اتخذت هذه الصواريخ شهرة عالمية, خصوصاً بعد حرب الخليج من خلال نظام «باتريوت» (patriot) الأمريكية، كذلك اكتسبت زخماً إضافياً من خلال برنامج الدفاع الوطني (NMD) الأمريكي المضاد للصواريخ الذي يتم بموجبه نشر صواريخ دفاع مضادة للصواريخ متوسطة وبعيدة المدى على الأراضي الأمريكية, وفي البحر لصد أي هجوم محتمل بالصواريخ البالستية, أو أي نوع آخر من التهديدات الصاروخية.
نجاح روسيا في تطوير نظام متكامل للدفاع ضد الصواريخ أطلق عليها (انتي 2500). ويبلغ الإنذار إلى هذه المراكز فيما لا يزيد على 1.6 دقيقة من لحظة إطلاق الصاروخ المعادي. ويتمكن الجهاز الجديد من إخماد فعالية الإلكترونيات اللاسلكية التابعة للدفاعات المضادة للصواريخ, وقد أطلق عليه اسم “الوحدات المقاتلة”. على الولايات المتحدة أن ترفع ميزانيتها الدفاعية بمعدل سبعة أضعاف لكي تصل إلى معدل الإنفاق الدفاعي الصيني الحالي.
التبرير الأمريكي
تبرر الولايات المتحدة دعوتها لتعديل معاهدة (ايه-بي-إم) ببروز مخاطر جديدة تهدد أمنها القومي, ومصالحها في دوائر إقليمية عدة في العالم، مثل شرق آسيا، والشرق الأوسط, ومنطقة الخليج, وترى أنها تتعرض لمخاطر قصفها بصواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل أسلحة دمار شامل نووية كيمياوية وبيولوجية من قبل دول أطلقت عليها واشنطن الدول (المشاغبة) أو (المارقة) منها: كوريا الشمالية التي تطور صواريخ بالستية عابرة القارات, وإيران التي نجحت في تطوير سلسلة من عائلة الصواريخ (شهاب). وتفترض الاستخبارات الأمريكية أن بإمكان مثل هذه الدول تهديد الشعب الأمريكي في عقر داره, وأن السنوات المقبلة سترفع من حدة هذا التهديد إذا لم يجابه بوسائل دفاعية فاعلة مضادة للصواريخ, وتتمثل في بناء (درع) واق مضاد للصواريخ يكفل الدفاع عن أمريكا, وعن مصالحها في الدوائر الإقليمية المهمة. وتجدد الحديث عن هذا المشروع في منتصف التسعينيات، عندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها بدأت أبحاثاً على خمسة أنظمة مضادة للصواريخ في إطار سلسلة من البرامج الدفاعية التي ترتبط بمشروع الدفاع الإستراتيجي المطروح منذ الثمانينيات, ويتضمن إمكان إقامة نظم إقليمية للدفاع ضد الصواريخ في مناطق عدة من العالم. وقد واكبت ذلك تطورات عدة أبرزها نجاح روسيا في تطوير نظام متكامل للدفاع ضد الصواريخ أطلق عليها (انتي 2500), وهو تعديل للنظام المعروف (إس 300) التي تعاقدت عدة دول للحصول عليه.
تعزيز الدرع الصاروخي
وفي هذا الصدد, كشفت وثيقة لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» عن أن الإدارة الأمريكية ستطلب من الكونغرس 7.9 مليار دولار من الموازنة الدفاعية للتعجيل في تنفيذ مشروع نظام الدفاع الصاروخي المثير للجدل. وجاء في مذكرة صادق عليها نائب وزير الدفاع السابق بول ولفووتيز أن المبلغ المطلوب يزيد 2.2 مليار دولار على التمويل الذي طلب في موازنة سابقة للدفاع. وطبقاً لخطة الإدارة السابقة كان المبلغ سيقترب من خمسة مليارات دولار خلال السنة المالية التي تبدأ في الأول من تشرين الأول. ويظهر من الوثيقة أن «البنتاغون» تخلى عن إستراتيجية سابقة هي الأكثر حذراً, التي تقوم على استخدام وسائل اعتراض أرضية, متمركزة في ألاسكا لتدمير الصواريخ في الجو, حيث يستكشف مشروع الدرع المقترح «إلى أقصى حد ممكن» ففاعلية منصات إطلاق الصواريخ الأرضية, والجوية, والفضائية, لضرب الصواريخ في كل مراحل عملها بما في ذلك مرحلة التشغيل والإطلاق أو ضربها في الجو لدى انطلاقها إلى الهدف. وتعكس الوثيقة التي حصل عليها موقع «انسايد دفنيس» الإخباري على الإنترنت أول تغيير كبير في نظام دفاعي تبلغ تكاليفه مليارات الدولارات بناء على عملية مراجعة شاملة للإستراتيجية, وللقوات, والأسلحة التي قامت بها وزارة الدفاع, إلا أن المذكرة الرسمية أكدت أن التمويل الإضافي الذي سيأتي ضمن الموازنة الشاملة لـ»البنتاغون» التي قدمت إلى الكونغرس من شأنه التعجيل في وتيرة التطور التكنولوجي.
النظام الدفاعي الأمريكي
يتكون النظام الدفاعي الأمريكي للصواريخ المضادة للصواريخ من منظومات نوعية عدة كالآتي:
منظومة استطلاع وإنذار مبكر واتصالات فضائية تعتمد على أقمار تجسس وإنذار تكشف لحظة إطلاق الصواريخ المعادية, وتبلغه فوراً إلى أقمار الاتصالات التي تنقلها إلى مراكز إنذار أرضية، والمركز الرئيسي منها في (باكلي) في ولاية كولورادو الأمريكية، وأفرع منها في بريطانيا, وإسرائيل, وتايوان, وكوريا الجنوبية, والخليج. ويبلغ الإنذار إلى هذه المراكز فيما لا يزيد على 1.6 دقيقة من لحظة إطلاق الصاروخ المعادي. تدعم هذه المنظومة الفضائية للإنذار منظومة أخرى جوية للإنذار المبكر تعتمد على طائرات استطلاع, وقيادة, وسيرة (اواكس) E2C, وأنظمة رادارات أرضية تعمل في الإطار نفسه. منظومة قيادة, وسيطرة, وتحكم مركزية في الولايات المتحدة تتبعها مراكز قيادة وسيطرة فرعية في دوائر عدة إقليمية منها إسرائيل, ومنطقة الخليج, وشرق آسيا. منظومة صاروخية مضادة للصواريخ قادرة على اعتراض صواريخ عابرة للقارات، وصواريخ أخرى معادية بالستية متوسطة المدى، وتضم هذه المنظومة وسائل أخرى مضادة للصواريخ مثل أسلحة الطاقة الإشعاعية التي تعتمد على أشعة ليزر، وأشعة الذرات المشحونة, والذرات المتعادلة في إطلاق محطات فضائية, وجوية, وأرضية، بحيث يتم الاشتباك مع الصاروخ المعادي على مسافة لا تزيد على 50 كم من لحظة ومكان إطلاقه.
هـ- كما تبحث الولايات المتحدة أيضاً إمكان الاعتماد على طائرات (من دون طيار) موجهة لاعتراض الصواريخ المعادية, ويتوقف النجاح في اعتراض الصواريخ البالستية الميدانية في الدوائر الإقليمية التي تهتم بها الولايات المتحدة على القدرة في تحقيق الاشتباك على مسافة لا تزيد على 50 كم من لحظة انطلاق الصاروخ المعادي, وذلك يعني أن الاشتباك مع الصاروخ المعادي الذي يتراوح مداه ما بين 300 – 600 كم (بعد التطوير) ينبغي أن يكون على مسافة 250 كم، أما الصاروخ الذي يقوم بعملية الاعتراض في هذه المرحلة, فإن سرعته لا ينبغي أن تقل عن 5.5 كم/ ثانية، كما أن سرعة اندفاعه أثناء المرحلة الأولى لا تنبغي أن تقل عن 8 كم/ ثانية. وقد تمت بنجاح محدود أخيراً عملية اعتراض صاروخ أمريكي عابر للقارات بصاروخ آخر أطلق من جنوب المحيط الهادئ، ما يعطي دفعاً جديداً لجهود الإدارة الأمريكية بإطلاق البرنامج المضاد للصواريخ المثيرة للجدل, حيث أطلق الصاروخ الأمريكي العابر للقارات بعد أربعين دقيقة من الموعد المبرمج من قاعدة «فاندرنبرغ» في كاليفورنيا ليعترضه صاروخ آخر أطلق من جزر مارشال. وقد أصاب الصاروخ هدفه على ارتفاع 144 ميلاً (23.04 كلم) في الفضاء الخارجي. وأوضح الجنرال رونالد كاديش مدير منظمة صواريخ الدفاع البالستية بوزارة الدفاع (البنتاغون) «نعتقد أننا أجرينا تجربة ناجحة بكل المقاييس في هذا الوقت». وكان كاديش قد قدر فرص نجاح التجربة بخمسين في المئة. وقد راقب العلماء في البنتاغون الانفجار الناجم عن اعتراض الصاروخ بواسطة ما سمي «العربة القاتلة» بعد دقائق فقط من إطلاقه. وكان على الصاروخ الاعتراضي أن يميز بين الهدف الحقيقي, وهدف وهمي آخر, وهو يطير بسرعة 24 ألف كلم في الساعة. وتعكس هذه العملية نجاح تجربتين من بين أربع تجارب مماثلة أجريت منذ أكتوبر (تشرين الثاني) 1999. وقد فشلت عملية سابقة أجريت في الثامن من يوليو (تموز) 2000, لأن «العربة القاتلة» لم تتمكن من الإفلات من الصاروخ المعترض، ثم أخطأت العربة هدفها مرة أخرى بسبب مشكلات في نظام الرصد بالأشعة ما تحت الحمراء, وذلك بفارق ثوان قبل الارتطام.
التـدابير المضـادة
ويعتقد الخبراء أن الدرع الصاروخي يملك نقطة ضعف، في حين يمكن تدمير صاروخ باليستي في الجو لكن نظام “NMD” الدفاعي، كما هو مقرر، لا يمكنه أن يقف بوجه أنظمة مضادة حقيقية لكن الباحثة «ليزبت غرونلند» في معهد «ماساشوستس» للتكنولوجيا، والمتخصصة في تكنولوجيا الصواريخ البالستية, تعتقد أن إرسال صاروخ موجّه نحو هدف معين، شيء، وأن يكون الهدف ذكياً هو أيضاً شيء آخر. فالهدف يمكن أن يكون أحد الأنظمة المضادة، مثل «بقايا فلزية»، أو رؤوس مسلحة كاذبة، يطلقها الصاروخ المعادي بهدف تحويل الصاروخ المعترض عن وجهته الحقيقية. وترتكز هذه الحجة على مخاوف حقيقية. فقد أشارت الـ”CIA” في دراستها لها إلى أن الصين, وروسيا مستعدتان لبيع أنظمة مضادة فاعلة جداً إلى دول أخرى. ويشكل ذلك ثغرة أخرى في الدرع الأمريكي الفضائي، حتى في مواجهة إعداد الصواريخ القليلة التي تملكها البلدان المنددة «بالشيطان الأكبر».
حذر أوروبي
لذا حذّر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في تقريره السنوي إن الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ، سيتيح مبدئياً حماية محدودة للولايات المتحدة نفسها لا لحلفائها في أوروبا أو آسيا؟ ولاحظ أنه على رغم التغيير في لهجة الخطاب الأمريكي وإسقاط كلمة «وطني» من اسم المشروع، فإن الحماية الصاروخية للحلفاء ما زالت بعيدة المنال، خصوصاً في ضوء ما يبدو أنه احتمال بعيد جداً أن يمول الحلفاء الأوروبيون مثل هذا المشروع. ومضى التقرير معتقداً أن البطء من جانب إدارة الرئيس أوباما في بحث خيارات لدرع مضادة للصواريخ، سمح للحلفاء ببعض الوقت, لأن يكون لهم صوت مسموع يؤثر في السياسة، والتوصل إلى تسوية محتملة مع روسيا. وأضاف التقرير: «في وقت يبدو مؤكداً أن الولايات المتحدة ستنشر قوة دفاع استراتيجية, فإن الشكل النهائي لهذه القوة وفاعليتها النهائية لا يزالان موضع تساؤل إلى حد كبير». وخلص المعهد إلى أنه سيكون من الضروري للحلفاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي، خصوصاً بريطانيا, وألمانيا, أخذ زمام المبادرة في الانضمام إلى واشنطن, إذا كانوا راغبين في الحصول على فرصة رسم ملامح السياسة في هذا الشأن, حيث من المحتمل أن تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة التفاوض حول اتفاقية الصواريخ المضادة للصواريخ الذاتية الدفع (أي بي إم) الموقعة مع روسيا عام 1972, التي تقيد بشدة الدفاعات الإستراتيجية. ورأى أن برنامج الدفاع الصاروخي يشعر الصين بالخطر أكثر من روسيا في ضوء امتلاك بكين نحو 20 صاروخاً عابراً للقارات فقط. لذلك كان من الطبيعي أن تعارض موسكو المقترحات الأمريكية, وأن تلجأ إلى اقتراح مضاد يتوجه نحو أوروبا عارضة مثل الأمريكيين نظام دفاع مشترك لروسيا وأوروبا، فإذا كانت وسيلة إقناع الأمريكيين لأوروبا المتحفظة على مشروع الدرع المضاد, هي ضم أوروبا إلى مظلة الحماية الأمريكية, فإن روسيا بدورها تقترح نظام حماية مشتركاً يشمل أوروبا أيضاً.
المنظومة الصاروخية الروسية
وكانت صحيفتا «النيويورك تايمز» و»الواشنطن بوست» قد نشرتا عن الرئيس الروسي تقريراً يؤكد أنه إذا مضت الإدارة الأمريكية في مشروعها لنشر نظام الدفاع الصاروخي، ستعزز موسكو قدرتها النووية مع احتمال تجدد سباق التسلح النووي, مؤكداً العمل على «تعزيز قدرتنا لتجهيز صواريخنا برؤوس متعددة، لن تكلف إلا مبلغاً زهيداً من المال (…) الترسانة النووية الروسية ستتضاعف إلى حد كبير”, إلا أنه أبدى استعداده لإعادة النظر في معاهدة الصواريخ المضادة البالستية “أي بي إم” الموقعة بين الاتحاد السوفياتي السابق, والولايات المتحدة عام 1972، لا للتخلي عنها, ولفت إلى أن التخلي عن المعاهدة، التي تعتقد الإدارة الأمريكية أنها باتت من مخلفات الماضي، سيقود حتماً إلى تقويض معاهدتي خفض الأسلحة الإستراتيجية “ستارت 1” و”ستارت2”. وكان قد أعلن أخيراً في موسكو أن المنظومة الصاروخية الدفاعية الروسية المضادة للجو “سي-400” هي الآن في مرحلة الاختبار النهائية. ويعتقد الخبراء أنها ستنضم إلى أسلحة القوات المسلحة الروسية في خلال عام, إلا أن الخبير الإستراتيجي في وكالة أنظمة التحكم الروسية ألكسندر شغلوف، قد أكد لمجلة “نوفوستي الروسية” أن المنظومة الصاروخية الدفاعية الروسية المضادة للجو السابقة “ss 300” مطلوبة في السوق العالمية, مضيفاً أن المنظومة الجديدة “ss-400” تختلف عنها بأنها أشد “حساسية” في مجال العثور على أهداف طائرة بعيدة, وذات مدى أبعد, ودقة أكبر في إصابة الهدف. وأشار إلى أن عشرات المؤسسات التي كانت منضمة ماضياً إلى هيكلية وزارات الصناعة الإلكترونية, وصناعة الراديو, وصناعة الاتصالات, ومشكلة نواة “الوزارات السوفياتية الدفاعية العشر” قد شاركت في صنع منظومة “سي-400” المضادة للصواريخ والمضادة للجو. هذا مع العلم أن موسكو اختبرت صاروخاً ذاتي الدفع أنتج قبل 26 عاماً في إشارة على ما يبدو إلى أن الحياة يمكن أن تعود إلى هذا السلاح من جديد كإجراء مضاد في حال إصرار الولايات المتحدة على المضي قدماً في تنفيذ الخطط الدفاعية, وأكد الجيش الروسي أنه أجرى تجربة على إطلاق صاروخ “ستيلتو “ العملاق من قاعدة فضائية روسية في بايكونور في جمهورية قازاقستان. وتجارب الصواريخ ليست شائعة في روسيا، لكن التجربة جاءت بعد أسبوع واحد من تهديد الرئيس الروسي السابق بتكديس رؤوس حربية نووية متعددة الرأس على صواريخ روسية كإجراء مضاد للدرع الصاروخية الأمريكية المضادة للصواريخ. وقد صنع الصاروخ “ستيلتو” الذي يشير إليه حلف شمال الأطلسي باسم “إس إس 19” بين منتصف السبعينيات والثمانينيات, ويمكنه أن يحمل رؤوساً يتجاوز وزنها أربعة أطنان. وكشف مسؤول روسي عن أن الصواريخ الإستراتيجية الروسية يمكن أن تعيد تجهيز هذا الصاروخ, ليحمل ما يصل إلى ستة رؤوس نووية. والصاروخ الوحيد الأكبر حجماً هو صاروخ “إس إس 18 ساتان” الأقدم عهداً, والذي يمكنه حمل ما بين 10 رؤوس و12 رأساً حربياً. وهذا الصاروخ على وشك الإلغاء الكامل بموجب معاهدة “ستارت 2” لخفض الأسلحة الإستراتيجية. والصاروخ “توبولو إم” هو الصاروخ الإستراتيجي الأحدث في روسيا, والأكثر قدرة على الحركة من أجيال الصواريخ الأقدم، لكن حمولته تبلغ طناً واحداً فقط. ويمكن أيضاً أن يعاد تجهيزه ليحمل أكثر من رأس حربي, ويعتقد أنه لن يوجد نظام للدفاع الصاروخي يستطيع مواجهة الصواريخ المتعددة الرأس عشرات السنين.
صواريخ روسية للدفاع المضاد
لذا حدد خبراء في وزارة الدفاع الروسية أن لدى موسكو تدابير مضادة فاعلة وسلبية للتصدي لمشروع الدرع الأمريكي المضاد للصواريخ, ومنها تعزيز قدرات الصواريخ «توبول - إم» العابر للقارات، وإنشاء قوات إستراتيجية متحركة، ووضع أكبر عدد من الرؤوس النووية على الصواريخ المتعددة الرؤوس, وإطالة عمر «الصواريخ الثقيلة». وقد واكب ذلك تطورات عدة أبرزها نجاح روسيا في تطوير نظام متكامل ضد الصواريخ, لذا يمكن للنظام الروسي الجديد إصابة 24 هدفاً باليستياً في وقت واحد بنظام تحكم ذاتي كامل، وأثبتت التجارب الأولية فاعليته بنسبة 98 في المئة. لذلك طور المهندسون الروس جهازاً يركب على الصواريخ الهجومية, وتعطيل تقنيات الرصد الإلكتروني في المضادات الأرضية المعادية, لذا أصبح في الإمكان تعطيل جميع وسائل الدفاع الأرضية المضادة للصواريخ المهاجمة، باستخدام جهاز الإخماد الإلكتروني اللاسلكي، وهو الجهاز الذي تم تصنيعه في المعهد المركزي لبحوث تكنولوجيا الراديو في موسكو, وهذا الجهاز يعد اكتشافاً جديداً في مجال إشعاع الموجات, فهو يتمكن من التشويش على أجهزة الرادار الدفاعية, وبالتالي التمويه على الهجوم الصاروخي الموجه على المواقع الأرضية. ويتمكن الجهاز الجديد من إخماد فعالية الإلكترونيات اللاسلكية التابعة للدفاعات المضادة للصواريخ, وقد أطلق عليه اسم «الوحدات المقاتلة». والوحدات المقاتلة هي العنصر الأساسي الذي تجهز به الصواريخ الحاملة للعبوات القتالية، ويقوم بالتمويه على وسائل الدفاعات الأرضية المضادة للصواريخ. ويموه هذا العنصر على الرادارات العاملة بالموجات اللاسلكية, وأشعة الليزر التي يمكنها رصد طيف واسع من ترددات الموجات في السلم الكهرومغناطيسي، مثل الموجات تحت الحمراء, وفوق البنفسجية، بالإضافة إلى موجات الضوء المرئي التي تشعها الأجهزة الطائرة (المركبات, والصواريخ, والطائرات). ويتمثل الجانب الأساسي في عمل جهاز الإخماد في إمكانية تعطيل قدرة الدفاعات على رصد الوحدات المقاتلة, إذ تحتوي هذه الأخيرة على تجهيزات تقوم بتشتيت الموجات المرصودة بواسطة نظم الدفاع مثل صحون الرادار والهوائيات ثنائية القطب التابعة له، وبالتالي يمكن التمويه على موقع الوحدات المقاتلة على نطاق مساحة واسعة. وبالإضافة إلى ذلك يشتمل جهاز الإخماد على أهداف كاذبة من أنواع مختلفة على شاشة الرادار, وكأنها هي الوحدات المقاتلة, وتنتشر هذه الأهداف في مجال رصد واسع النطاق, يتضمن المجال الجوي, والأرضي, ويتعداه إلى الخارج. تعمل أجهزة الإخماد, وفق برنامج معد سلفاً، فعند إطلاق الصاروخ المزود بجهاز الإخماد على هدف أرضي ينفصل الجهاز عنه, وبعد الانفصال يصطف جهاز الإخماد في وضع قتالي حول الصاروخ في حين يبقى جهاز التشويش على الرادار في موقعه, وهذا ما يؤدي إلى خلق صعوبة بالغة في إمكانية رصد الوحدات المقاتلة ضمن أجهزة الإخماد، وبالتالي استحالة إصابتها. إزاء هذا الوضع يتوجب على وسائل الدفاع المضادة للصواريخ الوضع في الحسبان إمكانية الصواريخ الاستراتيجية بين 5 إلى 10 آلاف كيلومتر وأكثر، خلال فترة طيران طويلة نسبياً تراوح في حدود 30 دقيقة خارج المجال الجوي الأرضي بسرعة تقدر بـ 7 كيلومترات في الثانية الواحدة, وبالإضافة إلى ذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار أن مقاييس حجم الوحدات المقاتلة صغيرة، فهي ذات شكل مخروطي تام بطول 1.5 متر, وقطر يراوح بين 0.5 و0.7 متر. ويتوجه رأس المخروط أثناء الهجوم نحو الهدف المراد إصابته, وتكمن صعوبة رصد هذه الوحدات في صغر مساحة السطح الظاهر منها، إذ إن هذا السطح يساوي جزءاً صغيراً من المتر الواحد. وفي ظروف القتال تلجأ الدفاعات الأرضية، كقاعدة عامة إلى إطلاق الصواريخ بكثافة كضربة جوابية في محاولة لإصابة الصواريخ المهاجمة. ولهذا الغرض لا بد من أن يكون عمل وسائل الرصد الأرضي في أعلى مستوى من الحساسية لتأمين الدقة العالية في التصويب. وبالرغم من كل هذه الإجراءات، يمكن للصواريخ المهاجمة المجهزة بأجهزة التشويش خفض فعالية نظام الدفاعات الأرضية إلى حدود قصوى في الوقت الذي لا يستلزم ذلك منها استهلاكاً كبيراً في الطاقة اللازمة لتنفيذ مهمتها. وبينت التجارب الميدانية أن تجهيز الصواريخ بأجهزة الإخماد يتطلب زيادة الوحدات المقاتلة المرافقة للصواريخ مرات عديدة، إذ تقوم هذه الوحدات بالذات باختراق نظام الدفاعات الأرضية، وبالتالي يمكن تقليل عدد الصواريخ المهاجمة في كل مجموعة مقاتلة، لأن ذلك لا يؤثر في فاعلية أجهزة تحجيم الدفاعات الأرضية.
مخاوف روسيا والصين وأوروبا
وبقي النظام الدفاعي المضاد للصواريخ، الذي كان يعرف باسم «مبادرة الدفاع الفضائي»، موجهاً ضد الاتحاد السوفياتي السابق, وبنهاية عام 1991 تفكك الاتحاد السوفياتي, ولم يعد له وجود غير أن الفكرة لم تمت, وحول الرئيس السابق جورج بوش «مبادرة الدفاع الفضائي»، التي أطلق عليها في البداية «مبادرة الدفاع الوطني»، إلى أولوية مهمة لإدارته في مجال الدفاع. وتغير اسم البرنامج مرة أخرى إلى «مبادرة الدفاع الصاروخي», وذلك عقب شكوى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا من أن كلمة «وطني» ربما تعني استثناءهم من هذا النظام, إلا أن وزير الدفاع الأمريكي أكد خلال جولة في الدول الأوروبية, وبعض العواصم الآسيوية طمأنة حلفاء الولايات المتحدة على أن النظام الدفاعي عبارة عن «مظلة» ستشملهم أيضاً.
ثمة سؤال في حاجة إلى إجابة هو: ضد من سترفع هذه المظلة؟
وتؤكد واشنطن أن النظام ليس ضد روسيا التي تعد «صديقاً وشريكاً» في الوقت الراهن, وحاول القادة الأمريكيون طمأنة الصين بأن النظام ليس ضدها هي الأخرى، غير أن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة إذا نجحت في إنشاء هذه المظلة, فإن ترسانة روسيا والصين النووية بكاملها ستصبح في مرمى الأهداف الأمريكية. فالرؤوس الحربية النووية الروسية والصينية المحمولة على الطائرات, والسفن, أو الغواصات, ستصبح معرضة لخطر البحرية وسلاح الجو الأمريكيين. الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لا تملك دفاعات ضد أي هجوم بصواريخ بالستية تحمل رؤوساً حربية نووية, وكيماوية, أو بكتيرية, وتدعي روسيا والصين أنهما إذا فقدتا وسائلهما الخاصة بتهديد الولايات المتحدة فلن يكون هناك ما يحول دون تخويف واشنطن لهما في المجالات الاقتصادية والسياسية دون إثارة نزاع نووي. وتعارض فرنسا «مبادرة الدفاع الصاروخي» لسبب مختلف تماماً، فباريس تعتقد أن مثل هذا النظام الدفاعي سيحول من الولايات المتحدة من «قوة عظمى» إلى «قوة تنفرد بالتفوق» لا تخاف أحداً, علاوة على ما سبق تعتقد فرنسا أن هذا التطور سيؤدي إلى إيجاد نوع جديد من القوة العسكرية تتفوق فيه الولايات المتحدة على كل القوى النووية الأخرى مثل فرنسا, وبريطانيا, والصين, وروسيا, وحاولت واشنطن تبديد هذه المخاوف باقتراح انضمام روسيا, والدول الأوروبية الغربية لنظام الدفاع الصاروخي، غير أن هذه المسألة يسهل الحديث حولها لكنها صعبة التنفيذ، بسبب إنفاق ملايين الدولارات على سباق تسلح ضد الولايات المتحدة التي تتمتع بالثراء. وستجد كثير من الدول الأوروبية الثرية صعوبة في رصد الموارد المالية اللازمة للإنفاق على هذا المشروع، حتى إذا وجدت الموارد المالية، فإن النتيجة ستتركز في اعتماد روسيا ودول الاتحاد الأوروبي على الإمدادات, والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. أما الصين، فلديها كثير من الشكوك, فبكين تعتقد أن «المظلة » الأمريكية المقترحة مصممة لإثارة سباق جديد للتسلح يمكن أن يدمر الاقتصاد الصيني الذي لا يزال نامياً. وفيما كان يعتقد الرئيس السابق كلينتون أن الصين «شريك إستراتيجي»، ينظر حالياً إليها كونها منافساً محتملاً، إن لم تكن عدواً للولايات المتحدة. وتساوي ميزانية الصين الدفاعية 9 في المائة من ميزانية الدفاع الأمريكية، ومع ذلك, فإن الإنفاق على المجال الدفاعي في الصين يقدر بنحو 20 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الوقت الذي تنفق فيه الولايات المتحدة أقل من 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع, أي أن على الولايات المتحدة أن ترفع ميزانيتها الدفاعية بمعدل سبعة أضعاف لكي تصل إلى معدل الإنفاق الدفاعي الصيني الحالي. ومع ذلك, فإن الصين من المحتمل أن تخرب اقتصادها تماماً إذا حاولت أن تضاعف إنفاقها الدفاعي إلى 40 في المائة من إجمالي ناتجها القومي. وتؤكد واشنطن أن «مظلة» مبادرة الدفاع الصاروخي موجهة في الأساس إلى «الدول المشبوهة», وحددت كوريا الشمالية, وإيران, وكوبا, غير أن هذا الزعم غير مقنع، ذلك أن واشنطن لم تضع في الاعتبار حدوث تغيير سياسي داخلي في أي من هذه الدول خلال فترة الـ 10 أو 15 عاماً المقبلة، أي الفترة اللازمة لاستكمال العمل في «مظلة» الدفاع الصاروخي, ونشرها في الوقت الذي تعتقد فيه غالبية المحللين احتمال حدوث تغييرات في السياسات الرئيسية لهذه الدول, وقياداتها في وقت أسرع مما هو متوقع. وحتى إذا افترضنا صحة الزعم الأمريكي بشأن هذه الدول, فإنها إذا فكرت في شن هجمات فستفعل ذلك ضد حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان, وكوريا الجنوبية, والدول العربية في منطقتي الخليج, والشرق الأوسط, إذ ليس من بين الدول التي تتحدث عنها الولايات المتحدة من تملك قدرة على إنتاج وتخزين عدد كافٍ من الصواريخ العابرة للقارات لضرب الولايات المتحدة نفسها, لذا فإن المظلة الأمريكية يجب أن تطور في المقام الأول لحماية الدول الحليفة للولايات المتحدة. وكان تقرير نشره الكونغرس الأمريكي أخيراً قد أكد أن نظام الدفاع الصاروخي NMD الذي تعتزم الولايات المتحدة نشره بهدف حمايتها من أي اعتداءات صاروخية خارجية, سيكلف الدولة نحو 60 بليون دولار حتى عام 2015، وذلك وفقاً للدراسة التي أجراها مكتب الموازنة التابع للكونغرس، وأن هذا المبلغ يتضمن تكلفة بناء 250 صاروخاً مضاداً للصواريخ في قاعدتين أمريكيتين، ويشمل أيضاً وضع معدلات التضخم على مدى العشرين عاماً المقبلة في الاعتبار, وهو ما يصعب التنبؤ به, وتعتبر تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية، التي قدرت تكلفة إقامة 100 صاروخ في قاعدة عسكرية واحدة في ألاسكا بنحو 30 بليون دولار من دون وضع احتمالات التضخم في الاعتبار. وتجدر الإشارة إلى أن المشروع الأمريكي الذي قرر أخيراً الرئيس الأمريكي باراك أوباما التخلي عنه لأسباب تبقى مجهولة, وإن كانت التجارب التي كشف عنها اعتبرت ناجحة؟ والخبراء يعتقدون أنها فاشلة؟ ولن تؤمن الحماية المطلوبة, إلا أن هذا النظام يشكل خرقاً واضحاً للتوازن الذي أقامته المعاهدة، وذلك يتجلى من خلال إنشاء نظام الدفاع الوطني الصاروخي الذي يطمح إلى نشر 20 صاروخاً معترضاً للصواريخ التي تفوق سرعتها 25 ضعف سرعة الصوت، وذلك في ألاسكا. ويتمثل الخرق الثاني لمشروع إنشاء صواريخ لمسارح العمليات (TMD)، وهو أكثر تقدماً من الأول، ويهدف إلى تغطية تقدم القوات العسكرية من القواعد الخارجية، إضافة إلى حركة الأساطيل، وتوفير حماية حلفاء أمريكا في العالم، إلا أن محاذير هذا النظام إذا نفّذته أمريكا, فإن العالم سيدخل مرحلة جديدة من الخطر، وما عدا إطلاق سباق التسلح، فإن سهولة اختراق نظام المعلوماتية (كما حصل في نظم البنتاغون والبيت الأبيض…) قد تؤدي إلى إطلاق عشرات الصواريخ، وقد يكون هذا الاختراق مفتعلاً لإزالة بلاد بكاملها من الخريطة، خصوصاً إذا كانت واشنطن مصرة على العقاب.
النقاط الرئيسية لاتفاقية تقليص منظومات الصواريخ الموقعة عام 1972
وبموجب الاتفاقية تعهد الاتحاد السوفياتي, والولايات المتحدة الأمريكية بعدم نشر نظم صاروخية دفاعية على أراضي كل منهما كافة, وعدم بناء نظم دفاعية جديدة. ويحق لكل طرف امتلاك نظامي صواريخ دفاعيين: واحد حول العاصمة, والثاني بالقرب من العنابر التحت- أرضية لإطلاق الصواريخ العابرة للقارات. شعاع كل منطقة يجب ألا يتجاوز المئة وخمسين كيلومتراً تضم حتى مئة قاعدة لإطلاق الصواريخ المضادة ليس أكثر. وتسمح الاتفاقية بتطوير المنظومات المضادة للصواريخ البالستية، لكنها تحظر تصنيع أو اختبار نظم أخرى مضادة للصواريخ ذات قواعد انطلاق, سواء من البحر, أو الجو, أو منتقلة على اليابسة. وكذلك تحظر الاتفاقية تصنيع, أو اختبار مضادات للصواريخ, تطلق أكثر من رأس واحد في المرة الواحدة، أو بناء نظام «تلقيم» هذه القواعد. كما تنص الاتفاقية على قيود معينة متعلقة باستعمال محطات الاتصال والرادارات في هذا المجال. وتترك الاتفاقية لكل دولة صلاحية المراقبة على تنفيذها بواسطة الوسائل التقنية الخاصة للدولة المعنية. وتنص الاتفاقية على أن الطرفين يراجعان نصوصها مرة كل خمس سنوات، لكن كل طرف يملك الحق في الانسحاب, إذا ما اعتقد أن شروطها تعارض مصالحه العليا.
كمال مساعد
باحث في الشؤون الإستراتيجية