في زمننا هذا تزداد التطورات العلمية والتقنية، وتتطور وسائل الاتصالات، وتتناقل الأخبار في ثوان لا في ساعات أو دقائق، وتزداد المعارف العلمية والإنسانية, ولكن في المقابل تزداد التحديات. أما التربية والتعليم، حيث امتدت العولمة إلى ميدانها، فكيف نقابل هذا الامتداد الهائل للعولمة وآثارها؟ وكيف نستغل إيجابياتها ونتلاشى سلبياتها؟
المقصود بالعولمة
العولمة لها مفاهيم متعددة، وقد اختلف كثيرون في تعريفها، وهذا الاختلاف ناتج عن أن العولمة لا تقتصر على مفهوم واحد، فالبعض يرى أنها ترتبط بالاقتصاد والهيمنة الاقتصادية للنظام الرأسمالي، والمتمثل في هيمنة الولايات المتحدة على العالم. وأما البعض الآخر فيرى أن مفهوم العولمة مفهوم تجديدي واسع له أبعاد اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، ليصبح البعد الجغرافي أقل تأثيرا مع التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات، واقتصاد السوق، وعولمة الإنتاج من خلال الشركات متعددة الجنسية.(1) لقد ظهر مصطلح العولمة بشكل واسع في لغتنا العربية في التسعينيات من القرن العشرين، ويطلق عليها أيضا (الكوكبة)، والذي ساعد على ظهورها في وطننا العربي وانتشارها بشكل واسع، هو ثورة المعلومات والاتصالات الحديثة، وقد اخترت أحد التعريفات من الذين كتبوا عن العولمة وهي تعني: تداخل الشأن الوطني في الشأن العالمي سياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وثقافياً، واجتماعياً، بحيث تتآكل الحدود الجغرافية.(2) نشأة العولمة: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي شاع استخدام لفظة العولمة، ولكن العولمة موجودة قبل خمسة قرون، حيث برز هذا المفهوم في أواخر القرن الخامس عشر بعد حركة الاكتشافات الجغرافية، وزيادة تبادل السلع بين الأمم.(3)
التربية والتعليم والعولمة:
تواجه التربية تحديات في أداء رسالتها التربوية والتعليمية، ولكن هذه التحديات ازدادت في العصر الحاضر، وأصبحت أكثر حدة، فالتربية لم تعد تتمثل في البيت والمدرسة، بل تعدتها إلى الجامعات، والمراكز التعليمية، والثقافية المختلفة، فالعولمة أصبحت تطغى على الدور التربوي، بل وعلى الهوية الوطنية للشعوب. إن كثيرا من الشعوب والدول أدركت مخاطر العولمة وآثارها السلبية على ثقافتهم، وهويتهم فقد أدركت مخاطر العولمة التي تدعو لها الولايات المتحدة الأمريكية، والنخب السياسية، والإعلامية في واشنطن، ولذلك عقد مؤتمر في العاصمة الكندية في (أوتاوا) عام 1998م، حضره 22 وزيرا للثقافة، وقد حذروا من مخاطر الغزو الأمريكي لعقول الشباب في العالم، وأوصى المؤتمرون بضرورة الحفاظ على الثقافات المحلية من الاختراق الأمريكي.(4) إن العولمة لها هيمنة على مقدرات الشعوب والحكومات، ولذلك قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في كلمة ألقاها في 14 يوليو 2000م، بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي: (إن العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنها تنتج شروطا اجتماعية كبيرة، وهي، وإن كانت عامل تقدم، فهي تثير أيضا مخاطر جدية ينبغي التفكير فيها جيدا، ومن هذه المخاطر ثلاثة: أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الاجتماعي، وثانيها أنها تنمي الجريمة العالمية، وثالثها أنها تهدد أنظمتنا الاقتصادية). ونلاحظ أن الخطر الأهم في قول الرئيس جاك شيراك الخطر الأول، وهو الاجتماعي، الذي أراه يتمثل في التربية، واللغة، والهوية، والتعليم. إن الشعوب التي تمتلك إرثاً حضارياً ودينياً، وثوابت ثقافية هي الشعوب القادرة على مواجهة مخاطر العولمة وتجاوز سلبياتها، أما الشعوب الضعيفة دينياً واقتصادياً وعسكرياً فهي أقل صمودا أمام العولمة الثقافية.(5) يعد التعليم في الدول النامية مشكلة خطيرة جدا تواجهها هذه الدول، حيث نلاحظ كثرة الخريجين، سواء من المدارس أو من الجامعات لأن التعليم فيها يركز على الكم أكثر من الكيف، وهذا الخطر المتزايد نلاحظ فيه الاتكالية، والبحث عن كل سهل في كل ميدان من أجل خدمته، ولذلك يعد التعليم في الدول النامية من أخطر القضايا في زمن العولمة، ولذلك أرى أن نواجه هذا الخطر في المدارس والجامعات بإعداد المدرسين الناجحين المنتمين إلى مهنتهم، وأن يكونوا مثقفين يواكبون تطورات العصر، ويجب أن تعد المناهج إعداداً سليماً تتفق مع تعاليم الإسلام، ومع الانتماء الوطني والفلسفي للشعوب، وأن نواجه خطر التيارات الفكرية المعادية، وأن نشجع روح البحث العلمي من أجل التقدم والارتقاء والتطور.(6)
التعليم في مواجهة العولمة:
بالرغم من بعض الآثار الجانبية للعولمة إلا أنه يجب علينا ألا نقف عاجزين أمام تحديات العولمة، ولذلك يجب أن يقوم التعليم على مرتكزات عدة منها:
تربية الهوية وتعميق الانتماء: وذلك من خلال الالتزام بالرؤية الإسلامية للإنسان، والكون، والحياة، وتربية النشء على الإسلام تربية إيمانية عملية، وتطبيقية، وربط تعاليم الإسلام وآدابه بالحياة الاجتماعية. التربية على المسؤولية الاجتماعية: وذلك من خلال تنمية حس الفرد، والتأكيد على دوره في المجتمع من أجل العطاء والإنتاج والمشاركة في صنع مستقبل المجتمع. الاهتمام باللغة العربية: فالحفاظ على اللغة العربية واجب ديني ووطني، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الشعوب العربية، فاللغة عامل أساسي في ترابط الشعوب وتماسكه. التربية الشورية: قال تعالى (وشاورهم في الأمر)، فالتربية على الشورى أساس الإبداع والابتكار فهي ضد الاستعلاء، والتسلط، والكبت، فيجب تطبيقها في رياض الأطفال، والمدارس، والكليات، والجامعات. تربية الإعداد للحياة: إن النظام التربوي يكسب الإنسان المعارف والمهارات المختلفة والاتجاهات وينميها، ولذلك تساعدنا على اختيار المهن بعد الدراسة. التربية على الإبداع: فبالرغم من تقدم وسائل العلم والاتصالات والحواسيب إلا أن العقول البشرية هي الأساس في ذلك، ولذلك يجب علينا الاهتمام بالأفراد، وبالموهوبين، والمبدعين منهم، وأن نوفر لهم البيئة المناسبة. المناهج: يجب علينا الاهتمام بالمناهج وتطويرها، بحيث ترتكز على مبادئ الإسلام، وأن تراعي المتغيرات العلمية، بحيث لا تتعارض مع الإسلام، ولذلك يجب علينا مراقبة المدارس، والمراكز التعليمية الأجنبية الموجودة في دولنا، بحيث تكون مناهجها متفقة مع مبادئ الإسلام، ومع مبادئ وفلسفات شعوبنا. التربية على البحث العلمي: وذلك من خلال توجيه الأفراد للبحوث العلمية، خاصة التطبيقية.(7)
تحديات:
من أهم التحديات التي تواجه التربويين في معركتهم مع العولمة:
التطور العلمي والتكنولوجي بشكل كبير، وزيادة المعارف العلمية أيضا. طغيان الجوانب المادية على الروحية، وحدوث الخلل في التوازن بينهما. التغير الكبير والسريع في الأعمال التخصصية في مجال الإنتاج والخدمات. اختراق الأمن الثقافي للشعوب. العمل على غرس قيم وعادات الرأسمالية والمتمثلة في الأمريكية في شباب العالم، ومنهم شباب العالم العربي، ما يؤدي إلى فقدانهم الثقة بعاداتهم وتقاليدهم، والعمل بالقيم والعادات الدخيلة. ازدياد النفقات التعليمية، خاصة لدى الحكومات والأسر، وهذا يجعل الأسرة تتراجع عن تدريس أبنائها لازدياد النفقات التعليمية، ووجود نفقات أخرى على الأسر التي لا تسطيع أن تدفع تلك النفقات. الهجرات السكانية، خاصة الخارجية، حيث نجد الاختلاف في ثقافات وعادات وتقاليد وقيم تلك الشعوب.(8)
آثار العولمة الإيجابية:
بالرغم من الآثار السلبية للعولمة إلا أنه يجب علينا ألا ننكر بعض آثارها الإيجابية وهي:
الانتشار الكبير لوسائل الاتصالات كالأقمار الصناعية والإنترنت. ساهمت في زيادة المعارف العلمية، والإنسانية، والاختراعات، وفي سرعة انتشارها.(9)
آثار العولمة السلبية:
إضعاف البعد الفلسفي التربوي والأهداف التي ترتكز عليها، ما يؤدي إلى تغير المناهج وأساليب التعليم. التأثير في اتخاذ القرارات التربوية، والعمل على فرض اتجاهات متعددة تحت مسميات مختلفة لحقوق الإنسان. فرض مفاهيم متنوعة في المناهج الدراسية للجوانب السياسية والاجتماعية تتمثل في حقوق الإنسان، والديمقراطية، والعمل حسب فلسفات معينة، لا تتفق مع فلسفات الشعوب. الزيادة في النفقات على التعليم، ما يشكل ضغطا على موارد الدولة، وعلى موارد الأسرة، وبالتالي قد تقوم بعض الأسر بإخراج أبنائها من التعليم، ما يساعد على انتشار الأمية الثقافية. التغير الكبير على أساليب وأدوات التعليم. التوسع في إنشاء مدارس، ومراكز، وكليات، وجامعات أجنبية في الدول، وهذا يؤدي إلى تغير ثقافات، وعادات، وتقاليد الأفراد. العمل على فقدان الثقة بالنفس، ما يؤدي إلى إضعاف الشعور الوطني.(10)
كيف تصمد التربية أمام العولمة؟
حتى تصمد التربية أمام مد العولمة.. فنحن في حاجة إلى ما يأتي:
رفع المستوى المعيشي للناس، ومحاربة الجهل، والأمية، والظلم. الاستثمار الحقيقي للموارد الاقتصادية والاجتماعية. التخطيط الحقيقي والسليم لدرء سلبيات العولمة والاستفادة من إيجابياتها. العمل على زيادة التعليم، ونشر المعرفة من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والمدارس، والمراكز التعليمية، والكليات، والجامعات.(11)
فائدة
إن العولمة زحف هدام، وغزو اقتصادي، واجتماعي، وفكري، وثقافي، لا توقفه حدود دولية ولا حواجز طبيعية بالرغم من التقدم الهائل في وسائل الاتصالات والمعلومات، وحتى نقف في وجه هذا الخطر الذي تواجهه التربية والتعليم لا بد لنا مما يلي:
التمسك بالإسلام، وتربية أبنائنا تربية حسنة تقوم على مبادئ الدين الإسلامي، وأن نكون القدوة لهم، والدعوة الصحيحة للإسلام، والتمسك به. التمسك بتراثنا وعاداتنا وقيمنا. مواجهة الخطر بإعلام صادق، يتفق مع مبادئ الإسلام، والأمن الوطني والقومي للدول النامية والفقيرة. إعداد المعلمين إعدادا سليما وحقيقيا والتأكيد على دورهم التربوي والتعليمي في بيان إيجابيات العولمة وسلبياتها لطلابهم. توعية الأسرة العربية والإسلامية بالعولمة، وإيجابياتها، وأخطارها.
بقلم . محمد مصطفى عبد الرزاق العمري