| |
 
تخطي ارتباطات التنقل
الرئيسية
نبذة عن المجلة
كلمة رئيس التحرير
للاتصال بنا
قصف «البارد»

«تكتية القضم» كانت الخيار الأمثل لتدخل الجيش اللبناني تفادياً لنزف الأرواح والوقت الرمايات الكثيفة بالمدفعية والدبابات كانت ناجعة في فك تحصينات الإرهابيين بالمخيم حرص الجيش على عدم بقاء شهدائه في أرض المعركة كبده كثيرا في معركة الفخاخ عمليات عسكرية ومخابراتية لتعقب خلايا هاربة وأخرى متعاطفة من خارج التنظيم شقّ الطرق وتفكيك الألغام وتغطية عناصر الجيش مهام أساسية أداها فوج الهندسة تمركز التنظيم في عمق المخيم بين التحصينات والملاجئ ومخازن الأسلحة أجل الهجوم المباني المشيدة حول المخيم شكلت درعاً واقية ضد نيران الدبابات والمدفعية البعيدة المدى بعمليات هجومية صغيرة ومتكرِّرة نجح الجيش في التقدم نحو القوى الإرهابية المهاجمة. 

 

 

قبل نحو 3 سنوات خاض الجيش اللبناني حرباً طاحنة مع تنظيم مسلح سمى نفسه «فتح الإسلام» في ثاني أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، هو مخيم نهر البارد في شمال لبنان على مسافة كليو مترات من الحدود اللبنانية– السورية. كان زعيم التنظيم فلسطينياً يدعى شاكر العبسي، وانضم إليه مئات من الفلسطينيين واللبنانيين، وبعض الجنسيات العربية بهدف محاربة إسرائيل لتحرير فلسطين، لكن تبين فيما بعد، حين استولوا على المخيم الذي فيه تحصينات، ومخابئ، وملاجئ، وأسلحة كثيرة كانت قد حضرتها الفصائل الفلسطينية في السبعينيات والثمانينيات لمحاربة إسرائيل، أنهم من «الفئة الضالة»، وهدفهم تقويض السلطة في لبنان، ونفذوا عمليات تفجير أودت بحياة عشرات المدنيين، كما اعتدوا على مؤسسات، وسرقوا مصارف لتمويل تنظيمهم. ونحاول من خلال هذا البحث أن تستخلص من أبحاث ومقالات كثيرة كتبت عن هذه الحرب التي انتصر فيها الجيش اللبناني بعد 3 أشهر ونصف الشهر وخسارته مئات الضباط، والرتب، والجنود بين قتل وجرحى، أن نعرض الخطط العسكرية التي اتبعت في تلك الحرب بعيداً من التحليلات الأخرى السياسية، والاجتماعية، والنفسية، علماً أن تلك الحرب اعتبرت أشرس معركة يخوضها الجيش اللبناني منذ تأسيسه، ووضعته تحت مجهر وسائل الإعلام المحلية والعالمية، التي لاحقت المعركة دقيقة بدقيقة. وعلى رغم من أن الجيش كان يعاني نقصاً فاضحاً في السلاح، والذخيرة، والعتاد الضرورية للمواجهة، إلا أنه تمكّن من تنظيف المخيم من المسلحين الذين كان من بينهم قناصة محترفون، وخبراء متفجرات لم يدعوا شيئاً إلا وفخخوه من علب المرطبات المرمية إلى الحيوانات النافقة. لكن الجيش بعد 105 أيام تكبد خلالها خسائر كبيرة، قتل نصفهم، وأوقف نصفهم الآخر، ولا يزال يخضع للمحاكمة، بينما فرّ عدد منهم أبرزهم العبسي. وكان لافتاً الثناء الذي حصل عليه الجيش اللبناني، من دول، وخبراء، وجيوش أجنبية، خصوصاً على حرفيته وتجنيبه وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين. ونستند في موضوعنا هذا إلى آراء ثلاثة خبراء هم: العميدان المتقاعدان نزار عبد القادر والياس حنا، والباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية رياض قهوجي، الذين أعدوا بحوثاً ومقالات تحدثت عن مجريات تلك المعركة بكل أبعادها، لكن نركز على الخطط العسكرية دون غيرها: على أثر تفجير حافلتين صغيرتين كانتا تقلان ركاباً في بلدة عين علق (شرق بيروت) واتهام «فتح الإسلام» بتنفيذهما، كثّف الجيش الضغط على التنظيم من خلال تعزيز انتشاره حول المخيم، وفق الترتيب الآتي: سرية مشاة من العبدة إلى الجسر على الطريق الرئيس (الدولية)، وسرية ثانية معزَّزة بفصيلة دبابات على تلة بحنين المشرفة على المخيم. ويمكن إيجاز انتشار لواء المشاة الخامس بتكليف لفيف تكتي الانتشار حول المخيم، ولفيف تكتي لتنفيذ دوريات من دير عمار إلى الحدود اللبنانية– السورية وصولاً إلى وادي خالد، ولفيف تكتي ثالث ينتشر في مراكز ثابتة على الحدود اللبنانية– السورية لمنع تهريب الأسلحة، وتسلل إرهابيين، ومخربين إلى داخل لبنان. في أوائل شهر أيار (مايو) 2007 هدد التنظيم بالقيام بعمليات انتحارية إذا أصر الجيش على تدابيره المشدَّدة عند مداخل المخيم وحوله، وطلبت قيادة الجيش من اللواء الخامس المنتشر حول المخيم تعزيز مراكزه وتحصينها، ووضع خطة مدافعة واضحة عنها، وأنذر «فتح الإسلام» بضرورة سحب مواقعه المستحدثة في مواجهة مواقع الجيش، وإذا لم يفعل فالجيش سيهاجمها ويقتلعها من جذورها، ولكن قيادة الإرهابيين لم تستجب لهذا الإنذار. في ظل هذا التصعيد الذي بدأ في أوائل شهر أيار قرَّر قائد الجيش العماد ميشال سليمان الإعداد لتنفيذ الإنذار، وشن عملية لاقتلاع «فتح الإسلام» من مواقعه التي تشرف على مراكز الجيش، وعلى الطريق الرئيس، وطلبت مديرية العمليات أن تجري أفواج النخبة التي ستكلَّف هذا الهجوم عمليات استطلاع على مستوى السرايا والفصائل والحضائر. وكُلِّفت مديرية المخابرات بإجراء الاتصالات اللازمة لتأمين التغطية السياسية على المستوى الداخلي والعربي والإقليمي، مع التركيز على تأمين أكبر دعم لبناني ممكن للعملية. كان تنظيم «فتح الإسلام» أحكم سيطرته العسكرية على مخيم نهر البارد، ما دفع «منظمة فتح» إلى الانسحاب من وسط المخيم والتمركز جنوب النهر، فلم يجد التنظيم المذكور عندئذ أي صعوبة في السيطرة على المخيم بعد انقضاضه على «فتح الانتفاضة» التي كانت تسيطر على هذا المخيم منذ عام 1983. في هذه الأثناء، قررت قيادة قوى الأمن الداخلي التي كانت تحقق في جريمة «عين علق» تنفيذ مداهمة لشقتين يتمركز فيهما مشتبه بهم من التنظيم في شارعي المئتين والزاهرية في مدينة طرابلس، في الساعات الأولى من صباح 20 أيار (مايو)، وقيل إن قيادة الجيش لم تكن على علم بالأمر. وبعد حصول إطلاق نار بين القوة المداهمة والمسلحين، استنفرت قوى الجيش المنتشرة في مدينة طرابلس، وتلا ذلك اشتباك بين أحد مراكز الجيش قرب الملعب البلدي مع زمرة من الإرهابيين أسفر عن استشهاد جنديين من اللواء السابع، ومقتل ثلاثة واعتقال اثنين من إرهابيي «فتح الإسلام». وأفادت قيادة اللواء الخامس المتمركزة في مطار القليعات بأن مراكز اللواء المنتشرة حول مخيم نهر البارد تتعرَّض لهجوم مركَّز من قبل مسلحين بدءًا من الساعة الرابعة من صباح 20 أيار (مايو). فور تلقي هذا الاتصال أمرت مديرية العمليات في قيادة الجيش بشخص مدير العمليات العميد الركن فرنسوا الحاج بإنذار عدة وحدات عسكرية، والتحضُّر للانتقال إلى منطقة الشمال، كما طلبت من اللواء الخامس التمسك بتلة بحنين والمحمّرة، ولكن تبيَّن أن الإرهابيين قد نجحوا في الاستيلاء على المراكز العسكرية من العبدة إلى المحمرة، وفرضوا سيطرتهم على طول الطريق بين هذين الموقعين. شعرت قيادة الجيش بخطورة الموقف فأمرت قيادة اللواء الخامس باستعمال نيران الدبابات ورمايات المدفعية من عيار 155 ملم لحماية ما تبقَّى من مراكز، وذلك بعد أن اتصلت برئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وأطلعته على الوضع، وبلَّغته أنها تستعد لاستعمال نيران الأسلحة الثقيلة ضد الإرهابيين، وكان ردّ رئيس الحكومة إيجابياً تاركاً القرار لقيادة الجيش للقيام بكل ما يلزم لاستعادة المواقع العسكرية. صمد موقع الجيش في العبدة، كما صمد الموقع في تلة بحنين، فيما سقطت خمسة مراكز، ومن بينها المركز القائم عند مدخل المحمّرة، كما سيطر الإرهابيون على طول الطريق العام. تكبَّد الجيش بنتيجة هذا الهجوم الغادر والمفاجئ 27 شهيداً. ويبدو أن «فتح الإسلام» خطَّط لمفاجأة الجيش ليس في نهر البارد وحسب، بل في مدينة طرابلس، وأيضاً في المنطقة بين دير البلمند والقلمون، حيث تعرضت دورية من اللواء السابع لنيران كمين نصبه الإرهابيون سقط على أثره خمسة شهداء للجيش، وهكذا بلغت الخسائر في الأرواح 34 شهيداً.

حشد القوى والإعداد للهجوم
بعد إنذار القوى العسكرية، أمرتها قيادة الجيش بالتحرك نحو منطقة مخيم نهر البارد، وشكَّل طليعتها فوج المغاوير تبعه رتل ثانٍ مشكّل من فوج التدخل الثالث. في هذا الوقت تحرَّكت كتيبة من اللواء الثاني باتجاه كسروان وجبيل للانتشار من أجل تحرير فوج مغاوير البحر المنتشر في هذه المنطقة. وأصدرت القيادة أمراً للواء السابع للانتقال على محورين عبر قضاء زغرتا وطريق بيروت - طرابلس من أجل تطويق مخيم البداوي. واستنفر إلى جانب القوى البرية بعض القطع البحرية التي أمرت بالإبحار نحو مخيم نهر البارد للمشاركة في العمليات. شنّ فوج المغاوير عند وصوله إلى تخوم المخيم هجوماً صاعقاً فنجح في استعادة كل المراكز والسيطرة على الطريق العام، واستطاع اللواء الخامس في ساعات النهار استعادة تلة المحمّرة. في هذا الوقت كانت الزوارق البحرية قد اشتبكت مع المسلحين ضمن مناورة تهدف إلى تخفيف مقاومة الإرهابيين في مواجهة القوى البرية المهاجمة، وإرباك قيادة «فتح الإسلام» بإجبارها على القتال في الاتجاهات كلها. وانتهت عملية استعادة المراكز العسكرية والسيطرة على الخط الرئيس الساعة الثالثة من بعد ظهر 20 أيار (مايو). استكمل حشد القوى بإرسال الفوج المجوقل من بيروت في وقت لاحق، كما تحرَّك فوج مغاوير البحر باتجاه المخيم بعد تحريره من مهماته في كسروان وجبيل. واستكمل هذا الحشد العسكري تحضيراً للمعركة الحاسمة في الأيام اللاحقة، حيث انضمت إلى وحدات النخبة حول المخيم وحدات من عدة ألوية مشاة، ومن فوجي المدرعات الأول والثاني، ومن فوجي المدفعية الأول والثاني، ومن فوج الهندسة، وفوج الأشغال المستقل، إضافة إلى وحدات الدعم. واستكملت عملية تطويق المخيم في نهاية نهار 20 أيار (مايو)، وبدأ الإعداد للمعركة الفعلية والحاسمة. لكن «فتح الإسلام» كان يتمركز في عمق المخيم، ويستطيع أن يفيد في معركته من التحصينات، والملاجئ، ومخازن الأسلحة والذخيرة كلها، ومن التجهيزات الخدماتية والمؤن المتوافرة في المحال التجارية من أجل خوض معركة طويلة قد تستمرُّ عدة أشهر. وكذلك كان المخيم يشكل مدينة متوسطة ومكتظَّة، ويبلغ عدد سكانه نحو 35 ألف نسمة. وهو قلعة حصينة، خصوصاً أن منظمة التحرير أنفقت أموالاً طائلة على تحصينه، وبناء غرف عمليات، وملاجئ، وأقبية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات. ولا تسمح كثافة البناء، وضيق الشوارع، والأزقة، التي يراوح عرضها بين متر و80 سنتيمتراً باستعمال الآليات، ولا تؤمن حقول الرمي اللازمة لاستعمال نيران الأسلحة الثقيلة المباشرة، خصوصاً نيران الدبابات. وكذلك يمكن للمسلحين من طوق المباني العالية التي جرى تشييدها حول المخيم القديم (وهي تعرف بالمخيَّم الجديد) كمرابض مثالية للقنص على وحدات الجيش، وللتحكُّم في كل محاور التقدم باتجاه قلب المخيم من خلال احتلالها، التي تشكل أيضاً درعاً واقية للمخيم القديم ضد نيران الدبابات والمدفعية المباشرة البعيدة المدى. بعد استعادة المراكز العسكرية كلها بدأت قوى الجيش التعامل مع المراكز المتقدمة للمسلحين في انتظار اعتماد خطة من قبل قيادة الجيش لإسقاط المخيم، وتنظيفه من أعشاش الإرهابيين من «فتح الإسلام» وغيرهم من المسلحين الذين انضموا إليهم. وبعد إحكام سيطرتها بالنار على جميع مداخل المخيم وأحيائه، بدأت الإعداد لخطة هجومية. وكان أمام قيادة الجيش ثلاثة خيارات لحسم المعركة: - الخيار الأول: تنفيذ عملية اقتحام سريع، وعلى ثلاثة محاور تنفذها وحدات النخبة، لكن قد تترتَّب على هذا الخيار خسائر فادحة بالعتاد والأرواح. - الخيار الثاني: تشديد الطوق حول المخيم، وفرض حصار كامل عليه، والعمل تدريجياً على تفريغه من السكان، مع عمليات استنزاف لكل القدرات العسكرية لتنظيم «فتح الإسلام»، لكن هذا الخيار قد يستغرق من 10 أشهر إلى 12 شهراً. - الخيار الثالث: تنفيذ عملية هجومية على مراحل، وذلك بالتقدم ببطء وحذر للسيطرة على المخيم تدريجياً، ثم تضييق الطوق العسكري حول المخيم القديم، ودكُّه بنيران ثقيلة وكثيفة من أجل حصر الإرهابيين في منطقة محددة، ثم إطلاق عملية اقتحام سريعة وكاسحة.  درست قيادة الجيش بتمعن هذه الخيارات كلها، فاستبعدت فوراً الخيار الأول لسببين: حجم الخسائر بالأرواح، وتوقُّع سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين. واستبعدت أيضاً الخيار الثاني بسبب المهلة الزمنية الطويلة، وإدراكها مفاعيل الضغوط السياسية والشعبية لوقف العمليات. وهكذا قررت قيادة الجيش اعتماد الخيار الثالث الذي أطلقت عليه اسم «تكتية القضم» أي تنفيذ عمليات هجومية صغيرة ومتكرِّرة، بحيث تتقدَّم القوى المهاجمة نحو أهدافها بخطى ثابتة ومضمونة، مع حرصها على وقوع أقل قدر ممكن من الخسائر في الأرواح في صفوف الوحدات والمدنيين على حد سواء.

العمليات العسكرية
كان على الجيش أن ينتظر خروج السكان المدنيين قبل التعامل بنيرانه الثقيلة مع المسلَّحين، وبالفعل فقد غادر المخيم أكثر من ألفين من ساكنيه خلال يومين، ومن ثم أخذت عملية الإخلاء طابعاً تدريجياً بمعدل ألف شخص يومياً، واستغرقت هذه العملية ما يزيد على عشرة أيام، عمل الإرهابيون خلالها على نصب أكبر عدد من الفخاخ والأشراك في المخيم الجديد من أجل الإيقاع بالقوى المهاجمة، وتكبيدها أعلى نسبة ممكنة من الخسائر في الأرواح. وبالفعل، فقد شكَّلت هذه الفخاخ عقبة أمام تقدم أفواج النخبة، وتبيَّن أن لدى التنظيم اختصاصيين محترفين في عمليات التفخيخ ونصب الإشراك. قررت القيادة تكليف أفواج النخبة القيام بمهمة الهجوم على ثلاثة محاور من الشمال، والشرق، والجنوب الشرقي تساندها الدبابات ونيران المدفعية بنيرانها المباشرة وغير المباشرة، ويشارك اللواء الخامس في العمليات من جهة الجنوب، ويقيم قاعدة نيران على تلة بحنين. اضطلعت المدفعية المباشرة وغير المباشرة مع نيران مدافع الدبابات بدور أساسي في دعم القوى المهاجمة، حيث شلّت عمل الإرهابيين، ودمّرت المواقع الحصينة، وكان دور سلاح الهندسة أساسياً، سواء لجهة فتح الطرقات والممرات أمام القوى المهاجمة، ولا سيما تفكيك الفخاخ والأشراك التي نصبها الإرهابيون، أو لجهة تحضير فخاخ للإيقاع بالإرهابيين في أثناء تسلُّلهم في الظلام لمفاجأة مواقع الجيش. كما ساهمت الجرَّافات في فتح الطرقات داخل المخيَّم وتوسيعها بحيث تسمح بتقدُّم الآليات والدبابات للمساندة في العمليات الهجومية على المحاور داخل المخيم كلها. شكَّل المخيم قلعة حصينة احتمى في داخلها الإرهابيون، وكان من الطبيعي أن تتطلَّب المعركة معهم رمايات كثيفة من أسلحة المدفعية، والدبابات، والهواوين من مختلف العيارات، ولم يكن لدى الجيش وفرة في مخزون الأسلحة الثقيلة، وشعر بأن هناك نقصاً في ذخيرة الدبابات م 48 وت 54 و55، إضافة إلى نقص في ذخيرة المدفعية من عيار 155 ملم، وأيضاً في ذخيرة الهواوين من عيار 82 و120 ملم.  وتمكنت قيادة الجيش من خلال الاتصالات التي أجرتها من تأمين كميات الذخائر والمعدات الخاصة اللازمة للمعركة من عدة دول صديقة: السعودية، ومصر، والأردن، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة، والمجموعة الأوروبية. ولسد الحاجة الطارئة والملحة فقد نقلت هذه الذخائر والمعدات بواسطة جسر جوي إلى مطار بيروت. وهكذا استطاعت القوى المشاركة في الهجوم من الحفاظ على النسق نفسه من النيران حتى نهاية المعركة، فيما نفَّذت سوريا الاتفاقات المعقودة مع الجيش سابقاً (27). وزوِّد الجند سترات واقية جديدة تعد من أفضل السترات في العالم، كما جُهِّزت الأفواج بمناظير للرؤية الليلية بمعدل 20 جهازاً لكل فوج، إضافة إلى كاميرات لكشف القنَّاصين وتوجيه النيران الدقيقة ضدهم.

الجو
في البداية لم يكن للطوافات العسكرية من دور تؤديه سوى القيام بعمليات استطلاع فوق المخيم، وبعمليات إخلاء للإصابات الخطرة باتجاه مستشفيات بيروت. لكن دورها تطوَّر في مرحلة لاحقة لتشارك بقصف مراكز الإرهابيين وتدميرها. قام سلاح الجو بمبادرة رائدة، حيث جهَّز بعض الطوافات بمنصات خاصة لحمل وإطلاق قذيفتين تزن الواحدة 250 كجم كانت مخصصة في الأصل لإطلاقها من الطائرات النفاثة (هوكر هنتر). وجرى في مرحلة لاحقة، بالتعاون بين القوات الجوية وفوج الهندسة، تطوير قنبلة تزن 400 كجم، رُكِّبت تحت بطن الطوافة بعد أن خضعت لتجارب في حقل رماية الطيبة. كما جُهِّزت طوافات الغازيل بالصواريخ الموجَّهة التي استعملت لضرب مواقع الأسلحة الثقيلة، خصوصاً الرشاشات التي كانت ترمي على القطع البحرية أو على الطوافات نفسها، لكن لم يتم التركيز على استعمال صواريخ طوافات الغازيل بسبب ارتفاع ثمنها. واستعمل قصف الطوافات لتدمير المباني المحصَّنة والملاجئ.  لو كان الجيش يملك طائرات حربية لحسم معركة نهر البارد منذ الشهر الأول، لكن قيادة الجيش لم تنتظر أن يستجيب المجتمع الدولي لطلب تعزيز قواتها الجوية، إنما لجأت إلى قدراتها الذاتية لتطور سلاحاَ لم يسبقها إليه أحد من جيوش العالم عبر التاريخ وهو هليكوبتر قاذفة للقنابل.  قامت مجموعة من تقنيي سلاح الجو، وبالتعاون مع سلاح الهندسة، باستخدام ما تملكه من ذخائر وعتاد، كانت تعد خارج الخدمة لقدمها، وتحويلها أدوات هجومية أسهمت بشكل كبير في زيادة حجم النيران، وفي تسريع إيقاع الهجوم على مقاتلي «فتح الإسلام» من أجل حسم المعركة، وقام تقنيو سلاح الجو اللبناني بإخراج قنابل زنة 250 كجم و400 كجم، كان لبنان قد حصل عليها قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليستخدمها على طائراته الحربية طرازي ميراج -3 وهوكر هانتر، فعمدوا إلى صيانة هذه القنابل وتزويدها صواعق جديدة. ثم قاموا بإجراء تعديلات على بعض طائرات الهليكوبتر طراز «يو اتش - 1 اتش» تمثلت في زيادة ارتفاع الزحافات التي تستخدمها هذه الطائرات للهبوط، وذلك من أجل توفير مجال كاف لوضع القنابل تحت بطن الطائرة.  وقام التقنيون أيضا بتركيب أنظمة إلقاء قنابل، جرى تفكيكها من تحت أجنحة طائرات «ميراج»، في أسفل بطن طائرات الهليكوبتر، وإيصالها بزر إلقاء القنابل الذي يكون في متناول الطيار ومساعده. ولجأ ملاحو الهليكوبتر القاذفة إلى نظام تحديد المواقع بواسطة الأقمار الاصطناعية (GPS) لتساعدهم على تصويب قنابلهم. وذلك عبر تحديد إحداثيات نقطة انطلاق الطائرة من قاعدتها، ومكان الهدف، وارتفاع الطائرة، وسرعة الريح. وبعد نجاح التجارب أدخلت طائرات الهليكوبتر القاذفة للقنابل ميدان المعركة، حيث بلغت دقة إصابتها درجة كبيرة لا تتجاوز دائرة قطرها عشرة أمتار فقط عن الهدف، ومحققة أحياناً إصابات مباشرة. ويعد الخبراء هذه القنابل الملقاة من الجو أكثر فتكاً وتدميراً من تلك التي كانت تطلقها مدفعية الدبابات والميدان، خصوصاً إذا ما كان هدف القصف تدمير مبان، كما كان الحال في مخيم نهر البارد. ففي حين كانت مدافع الدبابات والميدان بحاجة إلى أيام من القصف المتواصل لتدمير مبنى واحد تمكنت الهليكوبتر القاذفة للقنابل من تدمير أكثر من مبنى في بضع غارات في يوم واحد. أما الزوارق البحرية فقد شاركت في العمليات منذ صباح 20 أيار (مايو)، حيث نجحت في إقفال الشاطئ بفعالية. كما جهَّزت البحرية إمكاناتها كلها لتقديم الدعم اللازم كله للعملية البرية، فنفَّذت بالفعل رمايات من أجل منع التسلل نحو الغرب، واستطاعت أن تعتقل كل الذين حاولوا الهرب عن طريق البحر، خصوصاً في آخر يوم من المعركة في 2 أيلول (سبتمبر). أما جهة الاتصالات فقد تأمَّنت بشكل مرضٍ من خلال شبكة فارتكس، وشبكة الخلوي الرباعية والمقفلة التي يستعملها الجيش، ومن أجل تفعيل عملية السيطرة في الميدان أعدَّت عمليات الجيش خرائط وصوراً جوية مقسَّمة مربعات (x 25 25متراً) مع ترقيم الأبنية داخلها. في موضوع الإخلاء الصحِّي أنشأت الطبابة العسكرية مركزاً متقدماً للإخلاء والمعالجة، حيث كانت الجرحى تنقل إلى المستشفيات في عكار، وطرابلس، أما الإصابات البليغة فكانت تنقل بالطوافات إلى مستشفيات بيروت، ومنها مستشفى رزق، ومستشفى الروم، حيث يكون فريق من الجرَّاحين المتخصِّصين بانتظار الجريح مع معلومات كاملة عن نوعية الإصابة من خلال الشروحات عبر الهاتف التي يقدِّمها الطبيب العسكري في موقع الإخلاء المتقدم للمستشفى الذي تتوجه نحوه الإصابة. وأدى فوج الهندسة في الجيش اللبناني دورا رئيسيا ومهما جدا في معركة نهر البارد، وتمثلت مهامه الأساسية في شقّ الطرق للتقدم، ولإخلاء المصابين، وتفكيك الألغام ونزعها، وإقامة مرابض ومساند للدبابات، وتأمين دخولها، وتغطية عناصر الجيش، وتأمين تقدمهم. وقام فوج الهندسة بالتعاون مع فوج المغاوير بصناعة التلة التي أشرفت على المخيمين القديم والجديد، وساهمت في محاصرة الإرهابيين، وقد صنعت التلّة من أنقاض المنازل والأبنية المهدمة. وكان تحدي الفوج يتمثل في فتح الطريق من جهة النهر إلى أعلى نقطة في المخيم، تأميناً لإخلاء المصابين وإمداد العسكر بالذخيرة. وقد تم فتح الطريق بواسطة حفّارة خنادق، وجرّافة د9 ورفش جنزير. وكان الهدف الأولي والأصعب في هذه العملية تأمين مركز رمي للدبابة من أعلى نقطة في التلة، مع أن الأبنية كانت بأغلبيتها تتألف من 3 أو 4 طبقات، استغرق بناء التلة ثلاثة أيام. يسرد نقيب من فوج الهندسة لـ»مجلة الجيش» حادثة بارزة كان لها أثر بارز في معنويات الجنود، وقعت الحادثة في أول المخيم القديم، حيث دخلت مجموعة من مغاوير البحر لاحتلال مبنى، ولكنها وقعت في مكمن فاستُشْهد أحد الجنود، وحاول رفاقه سحبه فسقط شهيدان تمّ سحبهما فوراً، وحاول رفاق الشهيد الدخول من محاور أخرى، لكن محاولاتهم باءت بالفشل بسبب الأفخاخ، فقرروا الالتفاف، واحتلال ثلاثة مبانٍ مجاورة لتأمين الحماية، يقول النقيب «أخذنا المبنى الأول، ركّزنا العسكر فيه، ومن خلاله استطعنا الدخول إلى المبنيَين الآخرين»، دخلت مجموعة من خمسة عسكريين إلى المبنى الذي كانت فيه جثة الشهيد (7 طوابق) فانهار عليهم، وأصبحت المشكلة كيفية سحب ستة شهداء، فأحضروا عتاداً من الدفاع المدني، وحاولوا انتشال الجثث تحت النار الكثيف، وبعد عشرة أيام استطعنا سحبهم من تحت الردم، «والد الشهيد الأول كان يطالب بعدم تكبّد الخسائر لسحب جثة ولده، ولكننا تابعنا، فشهيدنا لا يبقى في أرض المعركة».

تدابير موازية
واتخذت قيادة الجيش تدابير الحيطة اللازمة كلها، ومنها تعزيز القدرات العسكرية على مداخل جميع المخيمات الفلسطينية وحولها، تحسبًا لأية أعمال مخلَّة بالأمن أو أية تحركات عسكرية للتعاطف مع «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد. وظهرت فعالية تدابير الحيطة حول المخيمات من خلال رد الفعل الفوري والحاسم للقوى العسكرية عند وقوع الاشتباك بينها، وتنظيم أصولي في مخيم عين الحلوة. بلغت جهوزية الجيش خلال معركة نهر البارد نسبة 90 في المائة، وجرى نقل بعض الوحدات من الجنوب لتعبئة الفراغ في بيروت، وقضاءي بعبدا وعاليه، وذلك بسبب تكليف فوج التدخل الثالث الانتقال إلى طرابلس، والفوج المجوقل من بيروت إلى نهر البارد. ومن أجل الإبقاء على الجهوزية الأمنية في مناطق انتشار القوى، فقد جرى تكليف الشرطة العسكرية بسد النقص الحاصل في بيروت الكبرى، وهكذا يمكن القول إن تدابير المحافظة على الأمن في مختلف المناطق بقيت على المستوى نفسه من الجهوزية والفعالية. لم تقتصر العمليات العسكرية والأمنية على مخيم نهر البارد، بل نفِّذت عمليات عسكرية ومخابراتية في مناطق عديدة من أجل تعقب بعض الخلايا الإرهابية، خصوصاً في طرابلس، والقلمون، وبيروت، وصيدا والبقاع. وكان بعض هذه الخلايا ينتسب إلى «فتح الإسلام»، وبعضها الآخر ينتسب إلى تنظيمات أخرى كانت تتعاطف معه، واكتشفت خلايا إرهابية نائمة لا علاقة لها به، وصودرت أسلحة، ومتفجرات، وبعض السيارات المفخخة، والجاهزة للاستعمال. المعركة طالت وخسائرها على الجيش كانت كبيرة، لكن السبب أن ساحة الصراع كانت آهلة بالسكان، وكان المسلحون يحتمون بالمدنيين، إضافة إلى أن طبيعة الحرب كانت جديدة على الجيش، وهي تنتمي إلى ما يسمى بـ»الجيل الرابع» من الحروب.  ويكون العدو في مثل هذا الجيل من خارج إطار الدولة، ولا تنفع معه الوسائل السياسية، والطرق التفاوضية التقليدية، ولا يمكن قياس النصر عليه إلا في الخاتمة، خصوصا أن المسلحين في المخيم يتمسكون بستر أيديولوجي ويقاتلون للموت.

بقلم . مالك القعقور