جاءت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم مكتملة الفصول، وبكل تفصيلاتها في سورة واحدة، حيث بدأت أحداثها, وانتهت في سورة يوسف وهي سورة مكية، وعدد آياتها 111 «نزلت بين عام الحزن بموت أبي طالب وخديجة سندي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين بيعة العقبة الأولى ثم الثانية التي جعل الله فيهما لرسول الله وللعصبة المسلمة معه، وللدعوة الإسلامية فرجاً ومخرجاً بالهجرة إلى المدينة، وعلى هذا, فالسورة واحدة من السور التي نزلت في تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة، وفي حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والعصبة المسلمة في مكة.
كشفت هذه القصة عن جوانب عدة من النفس البشرية، وشملت شتى مناحي الحياة: الاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية.
بدأت قصة يوسف (عليه الصلاة والسلام) بالرؤيا التي رآها في منامه عندما كان في مقتبل عمره.
وقد بدأت قصة يوسف في القرآن الكريم بتمهيد تحدث عن مكانة هذه القصة، فقال تعالى مخاطباً رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم-: }نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ{ (سورة يوسف: آية 3).
وقد راعت هذه القصة الفترة الحرجة التي كان يعيشها الرسول وأصحابه– رضوان الله عنهم أجمعين- بل والدعوة الإسلامية بصورة عامة، وجاءت تسليهم وتعزيهم، وتدعوهم إلى الثبات والصبر، وتذكّرهم بقدرة الله- تعالى- على نصرهم, وتفريج كربتهم، كما فعل مع يوسف– عليه السلام.
وكشفت هذه القصة– أيضاً– عن جوانب عدة من النفس البشرية، وشملت شتى مناحي الحياة: الاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية.
وهي من أطول قصص القرآن الكريم، وفيها تتشعب الأحداث, وتسير سيراً تصاعدياً مشوِّقاً، بحيث يتعرض يوسف- عليه السلام– لضروب مختلفة من الفتن والمحن، ولكنه– بفضل الله تعالى– يخرج من كل محنة أكثر قوة، إذ أخرجه الله- تعالى- من الجُبّ ليعيش في قصر العزيز، وأخرجه من السجن ليجعله على خزائن الأرض، وبعد أن عاش وحيداً وغريباً جمعه في نهاية القصة بأهله.
وبالإضافة إلى ذلك, فإنها تعدّ قصة دائرية اعتمدت على الرؤيا في دفع أحداثها وتتابعها، حيث بدأت برؤيا رآها (يوسف)– عليه السلام– في منامه، وفي نهايتها تحققت تلك الرؤيا، «وبذلك استدارت القصة, وعادت من نهايتها إلى بدايتها؛ ليتحقق ما رآه من أحداث في منامه، تلك الأحداث التي أوجزتها الرؤيا، أو اقتصرت على آخرها»(2)، قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (سورة يوسف: آية 100).
وبين البداية والنهاية, وقعت ثلاث رؤى، كانت الرؤيتان اللتان رآهما صاحبا يوسف في السجن الجسر الذي عبر من خلالهما إلى الملك؛ ليؤول له الرؤيا التي رآها في منامه، والتي عجز عن تأويلها العارفون بتأويل الأحلام, ولم يكتفِ يوسف (عليه الصلاة والسلام) بتأويل رؤيا الملك، بل قام بوضع طريقة واضحة, وناجعة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية التي ستتعرض لها البلاد، وكان تأويله - عليه السلام - للرؤيا، ووضع التصور المناسب للتعامل معها سببين في خروجه من السجن، وإظهار براءته، ومن ثم تمكينه في الأرض، وتبوؤه المكانة الرفيعة لدى الملك، والذي كافأه بجعله على خزائن الأرض.
لقد علّم الله- تعالى- يوسف (عليه الصلاة والسلام) تأويل الأحاديث، قال تعالى: }وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (سورة يوسف: آية 6). ومعنى (يعلمك من تأويل الأحاديث) ؛ «أي يفهمك من معاني الكلام، وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.
ويظهر في هذه القصة الاهتمام الكبير بتأويل الرؤى، حيث طلب كل من صاحبي السجن والملك تأويل رؤاهم من يوسف- عليه السلام- وهذا الأمر يعطينا صورة واضحة عن ذلك العصر، وأن العلم الذي علّمه الله تعالى يوسف– عليه السلام– كان يتفق مع روح ذلك العصر وجوّه.
وهذا العلم من نعم الله- تعالى- الكثيرة عليه، «وهنا نقف لحظة لنعلم قيمة العلم الذي زود الله به يوسف، وزعم كثير من الناس أنه علم لا يُجنى من ورائه فائدة ذات قيمة, إنّ الله- سبحانه- علّم يوسف تأويل الأحاديث، وهو يعلم أنه السلاح الذي سيكون سبباً في إخراجه من محنته، بل سيكون سبباً في تبوئه المكانة الرفيعة، وتمكينه في الأرض.
وفي هذه المقالة سيتم بسط الحديث عن الرؤى الأربع التي تضمنتها قصة يوسف عليه الصلاة والسلام.
الرؤيا الأولى:
بدأت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بالرؤيا التي رآها في منامه عندما كان في مقتبل عمره، وقد أصابته الحيرة؛ فتوجه إلى أبيه باحثاً عن تأويلها، وعلم يعقوب– عليه السلام– بما آتاه الله تعالى من حكمة بمضمونها، وطلب منه كتم أمره عن إخوته؛ خوفاً من حسدهم، قال تعالى: } إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (سورة يوسف: 4-6).
حملت هذه الرؤيا إشارات واضحة إلى ذلك المصير الذي آل إليه يوسف (عليه الصلاة والسلام) في نهاية المطاف، حيث ألمحت إلى أنّ الله- تعالى- قد أعدّه لأمر عظيم، وادّخر له خيراً كبيراً، إذ شرّفه بالجمع بين النبوة والملك، وبين خيري الدنيا والآخرة، وزوده بمعرفة تأويل الأحاديث.
وكانت هذه الرؤيا ليوسف– عليه السلام- بمنزلة التهيئة النفسية له لقبول ما سيأتي بعد ذلك، حيث أشارت إلى المكيدة التي سيتعرض لها- عليه السلام– من قبل إخوته. أما ليعقوب- عليه السلام– فكانت بشارة من الله- تعالى- له بنبوة ابنه، وبنجاته من كيد الكائدين، وفي الوقت ذاته زادت من حب يوسف- عليه السلام- في قلبه وخوفه عليه.
قامت الأحداث في قصة يوسف– عليه السلام– على الرؤيا التي رآها يوسف في منامه، وعملت هذه الرؤيا على تطوير الأحداث، ودفعها إلى الوصول إلى تحقيقها في النهاية.
الرؤيتان الثانية والثالثة:
بعد الرؤيا الأولى التي رآها يوسف– عليه السلام– في بداية القصة، والتي كان لها أثرها الواضح في مسيرة حياته، وفي البناء الفني للقصة- توالت الأحداث عليه، فحسده إخوته على الفضل الذي خصّه الله- تعالى- به، وكادوا له، وألقوه في الجُبّ، ولكنّ الله- تعالى- قدّر له النجاة، ومكّن له في الأرض، وعاش عزيزاً مُكرّماً في قصر عزيز مصر، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21).
عاش يوسف عليه الصلاة والسلام في قصر العزيز ما قدّر الله- تعالى- له أن يعيش، وكان العزيز يعامله معاملة الأب لابنه، وكان شاباً بديع الجمال، ففتنت به امرأة العزيز، وراودته عن نفسه، ولكنه أبى الوقوع في الفحشاء، قال تعالى: }وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{ (يوسف: 23).
وبعد هذه الحادثة, وما تلاها من مواقف, استقر المقام بيوسف في السجن، وهنا يبرز أثر الرؤيا مرة أخرى، حيث انتقل يوسف– عليه السلام– من صاحب رؤيا قابلة للتحقيق إلى معبر للرؤى صادق في تعبيره، ويكون صدقه في تعبير ما رأى صاحبا السجن سبباً في اختياره لتعبير رؤيا الملك، ذلك التعبير الذي كان سبب التمكين ليوسف، ذلك التمكين الذي تنبأت به الرؤيا الافتتاحية، فمفاصل الحدث القصصي مدرجة في سلسلة من الرؤى المحكمة النسج في سياق القصة.
وفي السجن وبين السجناء اشتهر يوسف– عليه السلام– «بالكرم, والصدق, والأمانة، وكان معظم وقته في عبادة الله وطاعته، وكان حسن السمت، عارفاً بالتعبير، يحسن إلى من معه في السجن، فيعود مرضاهم، ويقضي حاجاتهم؛ فحببت هذه الصفات الحميدة يوسف إلى أهل السجن.
وكان قد دخل مع يوسف– عليه السلام– السجن فتيان، من فتيان الملك ومماليكه، وهما ساقيه وخبازه(8)، ورأى كلٌّ منهما في منامه رؤيا، فعرضاها عليه، قال تعالى: }وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ{ (يوسف: 36).
وفي قوله تعالى– على لسان الفتيين-: (إنا نراك من المحسنين) «تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه- عليه السلام– ؛ أي نعتقدك، (من المحسنين)؛ أي من الذين يحسنون تأويل الرؤيا لمّا رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياهم فيؤولها لهم تأويلاً حسناً، وكان– عليه السلام– حين دخل السجن قد قال: إني أعبّر الرؤيا وأجيد أو من العلماء… أو (من المحسنين) إلى أهل السجن؛ أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا، إن كنت قادراً على ذلك.
والملاحظ أنه بعد أن استمع إليهما لم يسارع في تأويل رؤياهما، بل نجده «يبدأ من حيث انتهيا، فيطمئنهما إلى أنه سيؤول لهما رؤياهما تأويلاً صادقاً حقاً؛ لأن بمقدوره أن ينبئهما بما يغيب عنهما، فينبئهما بما سيأتيهما من الطعام».(10)، قال تعالى: }قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ{ (يوسف: 37).
استثمر يوسف– عليه السلام– إقبالهما عليه أحسن استثمار، فعمل على تبليغ الرسالة، وبث العقيدة السليمة، وتأدية الأمانة؛ وبذلك ضرب– عليه السلام– المثل في استثمار كلّ وقت وزمان وحال للدعوة إلى الله تعالى، فوجوده في السجن لم يقف حائلاً أمام القيام بعمله وتأدية واجبه.
وبعد ذلك شرع– عليه السلام– في التأويل، فصرّح بهلاك أحدهما، وهو الخباز، ونجاة الثاني، وهو الساقي، وأنه سيعود لخدمة الملك، قال تعالى: }يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ{ (يوسف: 41 – 42).
وكان يوسف- عليه السلام- موقناً من صدق تأويله، فطلب من الذي ظن أنّه ناج منهما أن يـذكره عند الملك، وصحّ تأويله، فهلك أحدهما، ونجا الآخر، وخرج من السجن، ولكن الشيطان أنساه أن يذكره عند الملك، فمكث يوسف– عليه السلام- في السجن بضع سنين.
ويوسف (عليه الصلاة والسلام) لم يُعين الهالك منهما كراهة التصريح للخباز بما يكره.
كان اشتهار يوسف– عليه السلام– بتأويل الرؤى في السجن مطيته في الخروج منه، والاتصال بالملك، وتـمكينه في الأرض. وفي هذا دلالة واضحة على اهتمام النّاس في ذلك العصر بالرؤى، وقد منح الله- تعالى- يوسف (عليه الصلاة والسلام) هذه الميزة، والتي كانت سبباً في خلاصه من السجن، ووصوله إلى تلك المكانة الرفيعة.
الرؤيا الرابعة:
ربطت الرؤيا التي رآها الفتيان في السجن بين يوسف– عليه السلام– في سجنه والملك في قصره، فبعد مكوثه في السجن بضع سنين, جاءت الرؤيا التي رآها الملك في منامه، والتي أفزعته وشغلته، لتدفع الأحداث مرة أخرى نحو المصير الذي أراده الله- تعالى- ليوسف– عليه السلام- وما كان من الملك إلا أن جمع الملأ، وطالبهم بتأويلها، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: }وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ{ (يوسف: 43 – 44).
وجوابهم بأنهم لا يعلمون تعبير الرؤى «إنما هو تمهيد, وتعليل, واقعي لإحياء ذكر يوسف والحديث عنه، وإدخاله طرفاً مهماً في أحداث البلاد بعد أن أُدخل السجن، وحيل بينه وبين الحياة العامة.
والسبب في وصفهم إياها بأنها أحلام كاذبة لا حقيقة, يرجع إلى رفضهم الاعتراف بعجزهم عن تأويلها. وهذا العجز كان الباعث على إحياء ذكر يوسف– عليه السلام– في نفس الساقي، والذي كان آنذاك من حاشية الملك، فتذكّر يوسفَ بعد أن أنساه الشيطان ذكره، وأخبرهم بأنه يعرف من يجيد تعبير الرؤى، قال تعالى: }وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ{ (يوسف: 45).
وبالفعل ذهب إلى يوسف- عليه السلام- في سجنه، وطلب منه تأويل رؤيا الملك، والتي لم تعد تشغل الملك وحده، بل أصبحت قضية عامة تشغل الناس عامة، قال تعالى: }يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ{(يوسف46.
وعبّر (عليه الصلاة والسلام) الرؤيا، وبين بوضوح لا لبس فيه المراد بالبقرات السمان والعجاف، والسنبلات الخضر واليابسات, ولم يكتفِ– عليه السلام- بتأويل الرؤيا، بل عمل على تقديم النصح والإرشاد للناس، وإعطائهم الطريقة المثلى في التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي سيتعرضون لها؛ لأنه لم يكن مجرد معبر للرؤى، بل كان رسولاً مصلحاً وداعياً إلى توحيد الله تعالى. وبعد أن سمع الملك تأويل الرؤيا، والتدابير التي اقترحها يوسف– عليه السلام– لمواجهة تلك الأزمة, أدرك أنه أمام رجل حصيف راجح العقل، يملك من المقومات ما يؤهله للقيام بأعمال جليلة، ويحتل مكانة رفيعة، فرغب الملك في أن يستخلصه لنفسه، ويدنيه منه.
ويرفض يوسف عليه الصلاة والسلام الخروج من السجن- على الرغم من السنوات التي قضاها فيه– قبل ظهور براءته من الفرية التي لحقت به؛ فيوسف– عليه السلام– أراد أن يخرج من السجن بعد أن يحصل على براءته، وليس لمجرد أنّ الملك قد تفضل عليه، وأخرجه من السجن مكافأة له على تأويل الرؤيا، وبالفعل تم ليوسف– عليه السلام– ما أراد، حيث سأل الملك النسوة عن أمرهن مع يوسف، قال تعالى: }قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ{ (يوسف: 51).
وبعد ظهور براءته طلب الملك مرة أخرى أن يحضروه إليه؛ ليستخلصه لنفسه، وبالفعل خرج يوسف من السجن، وطلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، وكان له ما أراد.
حرّكت الرؤيا التي رآها الملك في منامه الأحداث، ونقلت يوسف (عليه الصلاة والسلام) من السجن إلى قصر الملك، والذي جعله على خزائن الأرض، ويشاء الله- تعالى- أن يجمع يوسف بأهله في مصر، فيدخلوا عليه، ويُذكّر يوسف أباه برؤياه التي رآها في صغره، ويخر أبواه وإخوته له ساجدين، وبذلك السجود تحققت الرؤيا، إذ انتقلت من مجرد رؤيا شغلت خاطره إلى واقع حقيقي ملموس، «لقد كانت البداية في ضمير الغيب، وأصبحت النهاية واقعاً حقاً؛ فقد سجد الأب, والأم, والإخوة الأحد عشر ليوسف، وانفك الغموض، وكانت النهاية, وخاتمة القصة.
ابتدأت قصة يوسف (عليه الصلاة والسلام) برؤيا محورية بنيت عليها القصة برمتها، وفي سياق تلك الرؤيا, وقعت رؤى ثلاث، ألمحت بتحققها إلى دفع الأحداث كي تحقق الرؤيا المحورية، إذ نجد رؤيتي الفتيين اللذين أولجا السجن مع يوسف، حيث أطلعنا السرد على مصيرهما، من حيث إن أحدهما سيسقي الملك خمراً، وسيصلب الثاني، وليرشد الذي نجا الملك إلى يوسف. وتحققت كذلك رؤيا الملك بالكيفية التي أولها يوسف حين لجأ إليه الملك… وبذلك التحقق تظهر فعالية هذا الأسلوب المعجز المغيب الذي ساق به السرد القصصي القرآني الأحداث، من رؤيا، ثم أحداث، ثم تحقق الرؤيا.
لقد ظهر بوضوح الأثر العظيم للرؤيا في تشكيل الأحداث، وتطويرها، وتوجيهها، والربط بينها، وفي الكشف عن شخصية يوسف– عليه السلام- وبالإضافة إلى ذلك, فإنها أضفت على القصة مزيداً من التشويق والإثارة.
د.علي بن محمد الحمود