القيادة وماهيتها: من الأسباب التي أدت إلى تقدم المجتمعات توافر قيادة حكيمة تعمل على إعداد الخطط، وجمع الأفكار، واستنتاج المعلومات، وإجراء المقارنات والدراسات, هذه الإجراءات تتطلب جهدا ووقتا من أصحاب القرارات للتعاون مع من لديهم الخبرة، ولديهم الدراسة الكافية لإجراء الاختبارات العملية والنظرية. إن وجهة نظري للمفهوم العام للقيادة والتعاريف التي قرأتها لكثير من المفكرين والعسكريين استنتجت أن التعريف الأعم للقيادة هو: “القدرة على التأثير في سلوكيات المجموعة من قبل شخص تتوافر فيه عدة شروط منها العلم، والخبرة، والسمات الشخصية، والعمل على تأدية المطلوب بكل اقتناع”(1). وفي نظري هذا صحيح لو استلزم الأمر وضع خطة صارمة من قبل القائد للحصول على أفضل النتائج. “القيادة في الأساس دور اجتماعي يقوم به فرد يتصف بالصفات السابقة أثناء تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة، وهذا الدور يجب أن يقوم به شخص يكون له القدرة على التأثير في الآخرين، وتوجيه سلوكهم في سبيل بلوغ هدف الجماعة”(2). (1) +(2) مقدمة بحث الأستاذ أحمد العساف (مهارات القيادة وصفات القائد) الموقع الإلكتروني للكاتب في الشبكة العنكبوتية، المستمد من المراجع التالية: (أ) لمحات في فن القيادة: ج.كورتوا. تعريب: المقدم الهيثم الأيوبي. (ب) العادات السبع للقادة الإداريين: ستيفن كوفي. ترجمة/ هشام عبدالله. إن “القائد الناجح هو الذي يخلق جوا من التفاعل الاجتماعي، والعدل بين أفراد الجماعة، حيث تبرز سمة القيادة لديه”(3)، وقدرته على توجيه جهودهم للوصول إلى ما يطمح إليه من نتائج، وهذا الشيء الذي يتضح لنا من خلال النظر في القواعد والتعليمات التي وردت في الجدول رقم (1-4) من كتاب القيادة في القوات الكندية. إن رضا المنفذين للعمل على ما تم إنجازه، ورغبتهم في الاستمرار على هذا النجاح يدل على الإدارة الحكيمة التي أدت إلى ذلك. لقد أثبتت النتائج التي تحصلت عليها بعض الدول الصديقة والتقدم الذي وصلت إليه في المجالات كافة، والمجال العسكري خاصة, أن السبب الرئيسي لهذا هو الاستفادة من الخبرات السابقة لهذه الدول في المجالات كافة. بذلك يتم بناء قادة لهم القدرة على التأثير في المجموعة العاملة، وجعلهم مجموعة منتجة وفعالة، إضافة إلى أداء العمل على أكمل وجه. القائد العسكري لا بد أن تجتمع لديه سمتان رئيستان من سمات القيادة، هما: 1- الثقة بالنفس، وقدرتها على أداء الواجبات. 2- الرغبة الشديدة في العمل، والتفاني فيه بتسخير كل الإمكانات الفكرية والبدنية. وهذا ما سيتضح جليا خلال هذا الموضوع. لا شك أن الاعتزاز بالنفس، وبالمهنة، وبالوحدة، والاستفادة من تجارب القادة المحترفين السابقين، ودروس التاريخ العسكري، وإتقان فنون القيادة ومهاراتها، والرغبة الشديدة في تطوير الذات، كلها عوامل تساعد على الوصول إلى الاحتراف العسكري. إن تحقيق متطلبات القيادة الناجحة، من استخدام لجميع التقنيات من معدات قتالية ومعدات مساندة للقتال، يتطلب قادة عسكريين على مستوى عالٍ من الاحتراف.
القادة الناجحون وحدهم يملكون قدرة التأثير في الآخرين لإنجاز الأعمال، سواء كان تأثير هؤلاء القادة مباشرا مع المرؤوسين لحثهم على أداء واجباتهم، أو من خلال التأثير غير المباشر، بحسب ما يقتضيه التسلسل القيادي من اعتبارات. ذكرت فيما سبق الصفات العامة للقادة، وعما يجب أن يكون عليه من علم ودراية بالمفهوم القيادي، واستخدام العقائد القيادية، وفيما يلي سوف نتطرق إلى ما يجب أن يتمتع به القائد العسكري عن القيادات الأخرى، وعن استخدام العقائد العسكرية، وطرق توظيفها في العمليات العسكرية بمختلف أنواعها. (3) أسس ومفاهيم القيادة في القوات الكندية (وزارة الدفاع الوطني) معهد القيادة الكندي, كنج ستون,2005. إن التعليمات والأوامر المستديمة للعسكريين، التي تدرس لنا في مختلف الدورات التدريبية لم تأت من فراغ، وإنما وضعت من خبرات وتجارب سابقة، وأجري عليها بعض التعديلات لكي تتوافق مع متطلبات الوقت الحالي.
إن الدراسة التي سنقوم بها في هذا الموضوع ستثبت الدور الرئيسي للقيادة والقائد، وما التأثير الذي يتركه على المرؤوسين، وذلك من خلال تحليل حادثتين تاريخيتين، إحداهما كانت عام 1900م، وهي الحدث الخاص بما يسمى (بريكر مورانت)، وكانت هذه الحادثة خلال حرب الإنجلو والبويو بين البريطانيين وقواتها التي تكونت من عدة دول تحت سيطرة بريطانيا، وسميت تلك القوة (باي شيفيليت كربانايرس) من جهة، والبوير- وهي الشعوب التي أتت من مختلف مناطق أوروبا في القرن الثامن عشر، وبداية التاسع عشر، وسكنت في تلك المنطقة- من جهة أخرى. كونت شعوب البوير فرقا صغيرة مدربة تدريبا جيدا وتسليحا خفيفا للقيام بعمليات هجومية على نقاط الضعف في الجانب البريطاني لحماية أراضيهم من القوات البريطانية، التي كانت تطمع في الاستيلاء على ما يملكه هؤلاء المواطنون، وخصوصا بعد الاكتشاف لموارد الذهب في تلك المنطقة. بعد عدة عمليات استدعت القوات البريطانية إلى تكوين ما ذكرت سابقا القوة (باي شيفيليت كربانايرس)، وكان مسرح الأحداث فيما يسمى سابقا منطقة الترنسفال، التي تسمى حاليا جنوب إفريقيا(5). «حدثت القضية الأخرى في عام 1993م، عندما جاءت الأوامر بإرسال الفرقة الجوية الكندية من ضمن قوات حفظ السلام في الصومال، حيث قامت مجموعة من منسوبي القوات الكندية بتعديات للقوانين والتعليمات التي نصت عليها اتفاقية جنيف والخاصة بمبادئ الحرب وطرق معاملة الأسرى والسجناء»(6). وبالرغم من أنه قد مر ما يقارب 93 عاما بين الحادثتين، اللتين كانت أحداثهما متقاربة بعض الشيء مع اختلاف المكان والزمان والأشخاص, إلا أن الأخطاء ما زالت تحدث، ومن خلال التحليل سأقوم بإيجاد التشابه والفروق بين القصتين، وما مدى تأثير عدم اتباع الأنظمة والقوانين، وإهمال الملاحظة، والمراقبة، والتدقيق، وإجراءات المساءلة للمرؤوسين في تدهور المعنويات، ما يؤثر في النتائج، ويقلبها رأسا على عقب. (4) صفحة رقم (132) من أسس ومفاهيم القيادة في القوات الكندية (وزارة الدفاع الوطني) معهد القيادة الكندي, كنج ستون, 2005. (5) التقرير المرفق الخاص بقضية (بريكر مورانت )، الذي ورد في التعليمات الخاصة لإعداد بحث القيادة في الفصل الأول (541) من برنامج القيادة والأركان المشترك ص36 بكلية الدفاع الكندية.
(6) لجنة الصومال، تقرير لجنة التحقيق في نشر القوات الكندية في الصومال, الموجز التنفيذي, وزير الأشغال والخدمات الحكومية الكندية, 1997.
في بداية هذا التحليل سنسأل أنفسنا عدة أسئلة: ما الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تكرار مثل هذه الأخطاء؟ هل هي الطريقة التي اتبعتها القيادة أم القرارات التي اتخذها القادة في ميدان المعركة؟ هل الطريقة التي تعاملت بها القوات مع القوات الأخرى صحيحة، وطبقت مبادئ الحرب المتفق عليها؟ هل التعامل مع الأسرى والسجناء كان بالطرق المتلازمة مع الأنظمة والقوانين الواردة في الأوامر المستديمة والمتفق عليها في مؤتمر جنيف؟ هل طبق مذهب المراقبة والجزاء والعقاب، وتمت المساءلة للمنفذين على مختلف المستويات؟ كل هذه الأسئلة سأحاول أن أجيب عنها في هذا الموضوع، وأستنتج ما الأسباب التي أدت بالقوات والمنفذين إلى التدهور الذي حدث في تلك الفترة، وسأستخدم في تحليلي عدة نقاط ومبادئ رئيسية. سأتطرق إلى المبادئ التي ارتبطت بالحادثتين، وربط كل حدث بالمبدأ الذي يتعلق به ونرى أنه لو طبقت هذه المبادئ بالشكل المطلوب كانت النتائج أفضل، ونفذت المهام التي كلفت بها القوات، سواء في الحادثة الأولى أو الحادثة الثانية بشكل ممتاز، وبدون أخطاء تذكر. المبادئ التي أريد أن أتطرق إليها هنا، والتي حصلت عليها من خلال الدراسة للأنظمة والقوانين والأوامر المستديمة في القوات الكندية، ومن أهمها: نجاح المهمة, والعمل الجماعي, والروح المعنوية, والعادات والتقاليد والروح العسكرية، وأيضا المواضيع المتخصصة في العلاقات الدولية والتئنشة الاجتماعية، وكيفية التعامل مع مختلف الأحداث تحت مظلة القانون بدون اختراق لهذا المبدأ، وتطبيق مبادئ القيادة على المؤسسات العسكرية بشكل عام، وأيضا على الأشخاص بشكل خاص. (7) أسس ومفاهيم القيادة في القوات الكندية (وزارة الدفاع الوطنية) معهد القيادة الكندي, كنج ستون, 2005.
القيادة في الحادثة الأولى
1- قيادة الأشخاص: بشكل عام إن هذا المستوى من القيادة دائما يحدث في المستويات العملياتية التي تستمد تعليماتها من القيادة العليا للقوات، والتي تنظمها وتسيطر عليها السيطرة المطلوبة والتأكد من تطبيقها على أكمل وجه، وأيضا التأكد من تطبيق المراقبة والمساءلة، وعدم الاعتماد على إعطاء الأوامر، ومن المفترض أن المنفذين سيقومون بتطبيقها دون أن يحدث خلل في مراحل التطبيق مع أن الأخطاء واردة، والظروف تتغير مع الوقت، والمكان، والأشخاص، والبيئة المحيطة. في الحادثة الأولى ومن خلال شرحي لمفهوم القيادة الخاصة بالأفراد، وعما تتميز به هذه القيادة، التي تكون غالبا على المستوى العملياتي حدثت عدة مخالفات وتجاوزات للأنظمة والقوانين بناء على قرارات غير مدروسة. لقد غابت عن القيادات العليا أهم أسباب فشل هذه العملية، ولا نقول فشلا، لوجود من يختلف معي في رأيي، وأنا أحترم رأيه في أن العملية الأولى ناجحة، وأن التجاوزات التي حدثت تجاوزات طبيعية غير مقصودة. إن غياب مبدأ «المراقبة والمساءلة»(8) كان له الأثر الأكبر في فشل هذه العملية والتجاوزات التي حدثت تجاوزات تعدت مبادئ القيم والأخلاق، وتخطت جميع الحدود الإنسانية في التعاملات البشرية. 2- نجاح المهمة: وهذا المبدأ في الأساس يحدده اختيار القائد، وما الأساسيات التي يتطلبها هذا الاختيار من عمل، ودراسة، ودراية بالأنظمة والقوانين العسكرية، وكيفية تطبيقها عل المرؤوسين، وما النتائج التي ستحدث في حال الفشل، وهذا ما اتضح جليا في هذه الحادثة في طريقة اختيار القادة. لقد كان أعلى منصب قيادي في أشد مراحل تلك الحرب هو الملازم (مورانت)، ومما حصلت عليه من المعلومات في التقرير الخاص بالقضية أن هذا القائد تم اختياره لكي ينضم إلى صفوف المقاتلين بناء على خبرته في ترويض وركوب الخيل بدون أن يكون له الخبرة العملية والدراسة التي تخوله لقيادة القوات. 3- توحيد الأهداف والغايات: من خلال هذه النقطة نرى أن هذا المبدأ لم يتحقق في تلك الأحداث. إن من يقع عليهم عاتق القيادة في تلك الفترة من القادة لم يستطيعوا توحيد الأهداف والوصول بالمجموعة إلى العمل الجماعي، والسبب يعود إلى أن المجموعات تكونت من عدة دول، ومستعمرات تابعة لبريطانيا، إضافة إلى من انضم من المتعاونين والسكان في تلك الفترة. (8) (المساءلة) الصفحة 14 من تقرير لجنة التحقيق في نشر القوات الكندية في الصومال, الموجز التنفيذي, وزير الأشغال والخدمات الحكومية الكندية, 1997. 4- العمل على الاستجابة إلى متطلبات المرؤوسين والمتابعة المستمرة: وكذلك توفير الراحة والجو المتفاعل للعمل، ورفع الروح المعنوية، وذلك لم يتم تطبيقه، والسبب راجع لعدم خبرة القادة في كيفية التعامل مع المرؤوسين، وإعطاء الأوامر الارتجالية من غير النظر في النتائج، واتضح ذلك من أن إحدى القيادات في سن صغيرة، وغير ممارس للقيادة، ووضع في هذه الظروف التي تتطلب قائدا متمكنا من أن الأوامر التي ستعطى للمرؤوسين ستجد آذانا صاغية ومقتنعة لتنفيذها. 5- الروح العسكرية: وهي الأنظمة، والتقاليد، والقوانين الإنسانية التي صاغتها المؤسسة العسكرية، التي تعد من القوانين التي لا يمكن اختراقها، لكن ما حدث في تلك الأيام من اختراق لهذه القوانين جعل المرؤوسين يتساهلون في إجراء المخالفات، ومن ذلك قتل للمدنيين، وتدمير ممتلكاتهم، وإحراق مزارعهم بشتى الوسائل، والإعدام للأسرى دون أي وجه حق، واختراق لما نص عليه مؤتمر جنيف قبل حدوث تلك الأحداث، وغياب عنصر المساءلة عن المنفذين لتلك الأعمال.
القيادة في الحادثة الثانية
1- قيادة الأشخاص: في هذه الحادثة، التي كان مسرح أحداثها في الصومال، وكانت مهمتها حفظ السلام، يوجد تشابه في الأخطاء التي تطرقت إليها في الحادثة الأولى والمتعلقة بما حدث في حرب الأنجلو والبوير، لكن الموضوع يختلف والمهمة هنا هي مهمة لقوات حفظ السلام، التي أصدرتها الأمم المتحدة، ونفذتها الدول أصحاب الصلاحية، والمخولة لأداء هذه المهمات. 2- نجاح المهمة: إن نجاح مثل هذه المهام، التي تتطلب قيادة تضمن نجاحها لا يمكن أن يحدث فقط من إرسال مجموعة من الضباط والأفراد المدربين على مثل هذه العمليات، وكما ذكرت سابقا، أن هذا الشيء لن يحدث إذا كان في الأساس الذين تم اختيارهم لمثل هذه المهام اختيار عشوائي، وغير مهيئين لعمليات حفظ السلام، ولا يوجد لديهم إلا الخبرة التكتيكية من غير النظر في قدرتهم على تحمل مسؤولية الأحداث، والتكيف مع الأجواء، لكي تنجز العملية على الوجه المطلوب، والقيادة في تلك المهام لم تكن متمكنة من المراقبة لما يحدث ورسم التصورات الصحيحة لمنع الأخطاء أو حتى تصحيحها. 3- توحيد الأهداف والغايات: إن الهدف الأساسي للقوات العسكرية، ووجودها في الصومال كان لحفظ السلام، ولكن ذلك لن يتحقق باستخدام قوات مدربة عملياتي على القتال كفريق واحد, إن ما يحدث في العمليات الحربية من قتل لا يؤثر في استمرار الفريق في عمله، وهذه من وجهة نظر الفريق، لكن القيادات العليا لا ترى هذا الشيء، وهذا ما ظهر جليا في عمليات التعذيب التي نفذها الجنود، واستمروا في تنفيذها دون أن تقوم القيادة العليا بتوضيح وتوحيد الهدف والغاية من هذه العمليات. 4- العمل على الاستجابة إلى متطلبات المرؤوسين: إن لهذا المبدأ تأثيرا في العملية، وتحقيق المطلوب منها في حالة إرسال وحدة عسكرية للقيام بعمليات مختلفة، فإن على القائد أن يوفر الجو للعمليات ليضمن نجاحها، وألا يهمل متطلبات المرؤوسين, على سبيل المثال في هذه الحالة وجود الجنود في بلد فقير لا يملك أيا من متطلبات الرفاهية والراحة، وأيضا انتشار الأمراض، التي يتطلب من القائد أن يبحث عن الطرق التي تمنع انتقال تلك الأمراض لجنوده. 5- الروح العسكرية: تم اختراق هذا المبدأ اختراقا واضحا من خلال القتل والتعذيب للأبرياء والسجناء، وادعاء أن أسباب القتل ناتجة للدفاع عن النفس، ولكن اتضح أن الأسباب واهنة، وأن الأعمال التي صدرت من هؤلاء الأبرياء كانت أسبابا لا تستدعي القتل. فعليك أن ترى ما مدى تأثير «القرارات التي صدرت بحق تلك المجموعة المنفذة لتلك العمليات»(9)، وأنها لم تكن الرادع الكافي، الذي تسبب في تكرار مثل هذه الأحداث في فترة لم تتجاوز الأيام بين الحادثتين، وهذا الخرق للقوانين التي نص عليها مؤتمر جنيف لم يتم التعامل معه بالوجه المطلوب. (9) حادثة الرابع من مارس والواردة في تقرير لجنة التحقيق في نشر القوات الكندية في الصومال, الموجز التنفيذي, وزير الأشغال والخدمات الحكومية الكندية,1997. بعد أن تطرقت إلى قيادة الأشخاص في الحادثتين، سنبدأ بالتحليل في القيادة الخاصة بالمؤسسات العسكرية، وهذا ما يسمى بالقيادة في المستوى الاستراتيجي، وما لها من نتائج إيجابية إذا طبقت بالشكل الصحيح, إن الأشياء المطلوبة من القادة أن يقوموا بتهيئة الأجواء للمؤسسة العسكرية التي تحت قيادتهم، وتطبيق التعليمات بالشكل المطلوب, أما إذا لم تطبق أو أن الأشخاص المسؤولين عن تطبيقها لم يعيروا لها الانتباه في إيجاد أفضل السبل للوصول إلى النتائج الصحيحة فستحدث الكوارث ويحدث ما لا يحمد عقباه.
القيادة في الحادثة الأولى
1- قيادة المؤسسات العسكرية: إن قرارات القيادة العليا للاستفادة من الموارد التي وجدت في منطقة الترنسفال، وتكوين قوة ليس لدى قادتها الخبرة الكافية والدراسة والاطلاع على الأنظمة والقوانين، أدى إلى التجاوزات، والتعديات اللاأخلاقية، وكسر للأنظمة الدولية، التي كانت صادرة في تلك الفترة. 2- نجاح المهمات: إن نجاح المهمات العسكرية يعتمد على عدة نقاط، ومن أهمها القيادة الفعالة التي تمتلك الخبرة في التعامل مع المواقف، وتوجيه القيادات الأحدث بما يتطلبه نجاح العمليات. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، كيف يمكن لأي قائد عسكري يريد النجاح للمهام المنوطة به دون أن يكون موجودا في مسرح العمليات؟ لو رجعنا للأحداث السابقة لوجدنا أن القائد موجود في منطقة بعيدة جدا عن منطقة العمليات ما يقارب 140 كيلو مترا(10)، لك أن تتصور بعد المنطقة على وصول الأوامر، وإرسال التقارير، خصوصا في تلك الفترة، إن هذه النتائج تعتمد على تصور القائد والخبرة، التي كانت من أهم أسباب فشل هذه المهام. إن نجاح أو فشل المهمة لا يحدث من فراغ، وهذه الأخطاء على المستوى الاستراتيجي العالي لا يجب أن تحدث، ولكن الأخطاء دائما واردة. 3- توحيد الأهداف والغايات: لم تستطع القيادة العليا للقوات أن توفر هذا المبدأ، الذي كان له التأثير الواضح على سريان الأحداث، وكان من أهمها عدم وضوح الفكرة الرئيسية للقيادة العليا من تلك العمليات أهي الأهداف المادية من موارد طبيعية أم الحفاظ على الأراضي والمستعمرات البريطانية؟ وهذا الخلاف تسبب في عدم تحديد الهدف الرئيسي من هذه العمليات. إن توحيد الهدف بين القيادة والمنفذين للعمليات يجعل العملية أكثر مرونة واحتمالية حدوث الخلل أقل. (10) التقرير المرفق الخاص بقضية (بريكر مورانت)، الذي ورد في التعليمات الخاصة لإعداد بحث القيادة, في الفصل الأول (541) من برنامج القيادة والأركان المشترك 36 بكلية الدفاع الكندية. 4- الروح العسكرية: وهي والأنظمة والتقاليد والقوانين الإنسانية التي صاغتها العسكرية، وهنا حدثت أكبر الأخطاء من قبل القيادة العليا، حيث لم يكن للقيادة التأثير في القادة المرؤوسين التأثير المطلوب في فهم واستيعاب الأنظمة والقوانين العسكرية التي تتطلب أن يتم اختيار من لهم الخبرة والقدرة على تطبيق هذه القوانين بالشكل الصحيح. لقد أغفلت القيادة العليا مبدأ المراقبة والمساءلة وتحديد المسؤوليات، ما أدى إلى تجاوز الخطوط الحمراء من قبل قادة الوحدات العسكرية، لكن المصيبة العظمى أنه وبعد تلك التجاوزات لم يكن هناك جزاء رادع للمخالفين، واستمرت هذه الأخطاء.
القيادة في الحادثة الثانية
1- قيادة المؤسسات العسكرية: إن الخطأ الذي ارتكبته القيادات العليا في هذه الحادثة خطأ تسبب في فشل المهمة، «والقرار الذي صدر من القيادة العليا في القوات العسكرية بناء على الطلب الموجه من الأمم المتحدة لاشتراك القوات العسكرية في مهام حفظ السلام في الصومال»(11) وذلك بإرسال الفرقة الجوية لتلك المنطقة لم يكن الاختيار السليم. 2- نجاح المهمة: يعتمد ذلك على الفهم للواجبات والتعليمات التي تؤدي إلى هذا النجاح، وهذا ما اتضح في تلك الفترة في الصومال من أن قرارات القيادات العليا لم تكن واضحة، وتم اختيار وحدة مدربة عملياتيا فقط، وليس لها الخبرة في عمليات حفظ السلام. لقد فشلت القيادة في تلك الفترة من حيث اختيار الأشخاص المناسبين لأداء هذه المهام، أيضا إليك المصيبة العظمى، فحتى تلك الفترة لم يكن هناك أنظمة تحدد الواجبات والمسؤوليات التي يجب اتباعها في تلك العمليات قبل البدء في تنفيذها. والسؤال، كيف يتم تكليف فرقة للاشتراك في مثل هذه المهام من غير وجود أنظمة تسيطر على كيفية أداء العمل وبناء عليها يتم محاسبة المخالف؟ 3- توحيد الأهداف والغايات: إن الغاية من تلك العمليات كان واضحا، وهو الاشتراك في العمليات المنفذة في الصومال ضمن قوات حفظ السلام، وهذا هو هدف القيادة العليا. السؤال هنا، كيف يتم تنفيذ هذا الشيء من غير أن يوجد أي “مرجع نستمد منه الطريقة الصحيحة للتنفيذ أو تدريب المنفذين لهذه العمليات على هذه المهام”(12) لكي تتوحد أهدافهم؟ وهذا الخطأ يقع على عاتق القيادة العليا. 4- الروح العسكرية: وهي الأنظمة والتقاليد والقوانين الإنسانية التي صاغتها العسكرية، فلم يكن للقيادة العليا في تلك الفترة أي توجهات، نعم كانت تسيطر على الأمور بالشكل الصحيح، ولكن المشكلة كانت في القرارات التي اتخذت من قبل القيادات في مسرح العمليات، وذلك من قيام بعضهم بعمليات تعذيب وقتل تجاوزت المهمة الأساسية لهذه الفرقة، وتعدت الحدود الإنسانية، ولم تكن هذه القرارات الرادع السليم لعدم تكرار مثل هذه الأخطاء مرة أخرى، وبذلك قادت إلى تعديات أخرى في فترة بسيطة. (11) الصفحة 27 من تقرير لجنة التحقيق في نشر القوات الكندية في الصومال, الموجز التنفيذي, وزير الأشغال والخدمات الحكومية الكندية, 1997. (12) الصفحة 29 من تقرير لجنة التحقيق في نشر القوات الكندية في الصومال, الموجز التنفيذي, وزير الأشغال والخدمات الحكومية الكندية,1997.
الخاتمة:
بعد البحث في هاتين الحادثتين، واستنتاج الأخطاء التي قام بها القادة، سواء كانت هذه الأخطاء على المستويات العليا، أو حتى المستويات القيادية الصغرى، يتضح لنا- وبتطبيق المبادئ التي سبق ذكرها- أن السبب الرئيسي في الأخطاء الحاصلة في كلتا الحادثتين هو القيادة وأثرها في إنجاز المهمات. إن الغاية الرئيسية للحرب التي حدثت في منطقة الترنسفال هو الاستفادة من الموارد التي تم اكتشافها في تلك المنطقة، والطريقة التي استخدمت للحصول عليها كانت في بداية الأمر طريقة- حسب ما وصف القادة في تلك الفترة- صحيحة لكن التجاوزات التي تخللت الأحداث من تخريب، وتدمير، وقتل للأبرياء كانت أخطاء فردية، وهذه الأخطاء ما كانت لتحدث لو تم تطبيق القوانين والأنظمة العسكرية الصحيحة، وقامت القيادات بتوجيه جهودها، وتطبيق مبدأ المراقبة والمحاسبة، وتحديد المسؤوليات والمساءلة للقيادات على مختلق المستويات للوصول إلى الهدف دون تجاوز لأي قوانين دولية، وهذا كان الخطأ الذي تسبب في تلك المخالفات. إذا أخذنا ما حدث في الصومال، وطبقنا عليه المبادئ التي ذكرت سابقا، يتضح لنا أن السبب الرئيسي هو الاشتراك في مهمة إنسانية مع قوات حفظ السلام، ولكن الطريقة التي تم تعيين الفرقة الجوية لهذه المهمة هي من وجهة نظر القيادة العامة صحيحة، لكن ما حدث كان عكس التوجهات التي خططت لها القيادة، ويرجع السبب إلى أن الموضوع لم يتم دراسته باعتناء من قبل القيادات العليا، والدليل على ذلك أن الفرقة التي تم اختيارها لهذه المهمة نفذت المهمة دون وجود قوانين، وأنظمة للعمل بها، وهذا صحيح، لأنه لم يكن في تلك الفترة قد صدر أي نظام يحكم هذه المهام، وزاد على ذلك القرارات التي اتخذتها هذه القيادات، التي لم تكن الرادع الصحيح للمنفذين من المضي قدما في إجراء هذه التجاوزات. أتمنى في نهاية هذا الموضوع أن أكون قد وفقت لإيصال الفكرة الأساسية لمفهوم القيادة، والمبادئ الأساسية التي صاغتها التعاليم العسكرية من خلال المقارنة بين حقبتين من الزمان.
الرائد الطيار الركن عبدالعزيز بن إبراهيم العجاجي