| |
 
تخطي ارتباطات التنقل
الرئيسية
نبذة عن المجلة
كلمة رئيس التحرير
للاتصال بنا
ساعة الصفر

تعد مشكلة المخدرات من أكثر المشكلات التي انتشرت في الآونة الأخيرة، وزاد خطرها بشكل كبير، سواء على المستويات الدولية أو الإقليمية أو المحلية، فالمخدرات تعد أكبر الجرائم المنظمة العابرة للحدود في العالم في الوقت الحالي، وقد أطلق عليها البعض (سلاح الدمار الشامل)، لأنها قد تتحول إلى سلاح من الأسلحة الاستراتيجية التي تستعملها الدول ضد بعضها بعضا، وإحدى صور الحروب الحديثة، وعلى الرغم من الجهود المبذولة من قبل دول العالم للقضاء على المخدرات، إلا أن هذه الآفة تتفاقم يوماً بعد آخر بشكل كبير، يكاد يقضي على أي آثار للتنمية في دول العالم، وترجع خطورة هذه المشكلة والآفة إلى ارتباطها بعديد من المشكلات الأخرى مثل انتشار الجرائم المختلفة، وما يصاحبها من تحطم وهدم لكيان الأسر والمجتمعات، كما تأتي خطورة هذه المشكلة دولياً كونها غالباً ما تنتج في بلد، ويتم استهلاكها في بلد آخر، وقد ساعد على هذا الانتشار العولمة والانفتاح الذي ساد دول العالم. 
 
 
لا تقتصر جرائم المخدرات على الترويج والاتجار في المخدرات بقصد الاستعمال الشخصي وتحقيق أرباح منها، بل يتعدى ذلك إلى زراعتها، وتصنيعها، وتهريبها لبعض الدول بشكل متعمد بهدف شن حرب خفية ضد شبابها باعتبارهم الطاقة الأساسية لهذه الدول، وهو ما يعرف باسم (حروب المخدرات). وتشير المؤشرات إلى أن نحو 7.7% من سكان العالم يتعاطون المواد المخدرة بأنواعها المختلفة ويقدر عددهم بنحو 500 مليون نسمة من إجمالي 6 مليارات نسمة، وتتزايد هذه الأعداد يوماً بعد يوم، الأمر الذي يؤكد أن الظاهرة شديدة التفاقم على مستوى العالم، نتيجة ما تحققه من ثروات طائلة لبعض الفئات، ونتيجة لما يحقق من قفزات سريعة في مجال البحوث العلمية الخاصة بابتكار وتخليق المخدرات. وفي المملكة ساعدت المساحات المترامية الأطراف، وارتفاع الدخول للفئات المختلفة، علاوة على انتشار العمالة الأجنبية على تزايد كميات المخدرات الواردة والداخلة للبلاد، وذلك رغم العقوبات الصارمة التي وضعتها المملكة في حق المهربين والمتاجرين بهذه المخدرات، التي تصل للإعدام، الأمر الذي يستدعي تضافر وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة للقضاء على هذه الظاهرة، سواء فيما يتعلق بالتهريب أو الاستعمالات الشخصية المنتشرة بين الشباب.

أولاً: تعريف المخدرات وأنواعها
ظهرت الأعشاب والنباتات المخدرة منذ قديم الزمان، فقد قام الإنسان بزراعتها من أجل التداوي والعلاج من الأمراض المختلفة، وبمرور الزمن أقيمت مصانع ومراكز للأدوية لاستخلاص المواد الفعالة من هذه النباتات لخدمة الأغراض الطبية والعلاجية أيضاً، وسميت هذه المواد بالمواد المخدرة الطبيعية ذات الأصل النباتي كالحشيش، والأفيون، والكوكا. كما تم استخلاص مواد أكثر فعالية وأكثر تركيزا من هذه المخدرات الطبيعية مثل المورفين، والهيروين وغيرهما، وسميت بالمواد المخدرة التصنيعية، كما نجح العلماء في صنع عقاقير من مواد كيمائية لها نفس خواص وتأثير المواد المخدرة الطبيعية والتصنيعية، إلا أنها تتفوق عليهما في عدة آثار تتمثل في الهبوط، والهلوسة، والتهدئة، وسميت بالمواد المخدرة التخليقية، وبالرغم أن الهدف من إيجاد هذه الأنواع من المخدرات كان بالدرجة الأولى خدمة الإنسان والحفاظ عليه، إلا أن الإنسان أساء استخدام هذه العقاقير بتحويلها إلى استخدامات غير مشروعة محرمة وضارة به صحياً، وعقلياً، واجتماعياً، واقتصادياً.  ومن ثم فإن المخدرات تعرف على أنها «مجموعة من العقاقير التي تؤثر سلبياً في الجهاز العصبي للإنسان بالتنشيط أو التثبيط أو الهلوسة والتخيلات، ومن ثم، فإنها تؤدي إلى التعود أو الإدمان، وتضر بالإنسان صحياً واجتماعياً، وينتج عن ذلك أضرار اقتصادية، سواء للفرد أو الجماعة. ولذلك فإن الأديان والشرائع السماوية المختلفة والاتفاقيات والقوانين الدولية تحرم استعمالها». والجدير بالذكر أن جميع الدراسات التي أجريت على المدمنين للمخدرات قد أشارت إلى أن المتعاطي لهذه المواد يتعرض لأضرار بالغة منها تأثير هذه المخدرات في وظائف الغدة النخامية والتناسلية، وإحداثها لخلل في التركيب الهرموني المرتبط بالوظائف الجنسية، وكذلك إحداثها لانخفاض ملحوظ في مستوى الغدة الدرقية للمدمن، هذا علاوة على الآثار النفسية السيئة التي يتعرض لها المدمن. وتصنف المواد المخدرة على أساس مصادرها وعلى أساس النوع والتأثير الذي تحدثه إلى ما يلي:

أ ـ مخدرات طبيعية:
وتشتق من المواد الطبيعية أو أنسجة الحيوانات أو المواد الخام، كما هي على طبيعتها، ومن أمثلتها الحشيش، والأفيون، والقات، والبانجو، وتؤدي هذه المواد إلى التأثير في الجهاز العصبي المركزي ويؤدي تعاطيها إلى الإدمان النفسي والجسدي الشديد، وتسبب للمدمن الاسترخاء، والهدوء، والشعور بالنشوى، والاكتئاب، وانحراف المزاج في معظم الأحيان، علاوة على كونها تسبب النعاس، وتسكن الألم، وتضعف التنفس، كما تسبب الهياج العصبي الشديد.

ب ـ مخدرات نصف تخليقية:
وتستخلص كيميائياً من المخدرات الطبيعية مثل الهيروين، والمورفين، والأتروفين، والديلوديد، ويؤدي هذا النوع من المخدرات إلى اضطراب في تصرفات الفرد المدمن، وعواطفه، وردود أفعاله، وفقدان شهيته للطعام، وشراهته للتدخين، مع شحوب الوجه، وفقدان الوزن، علاوة على ميل المدمن للكذب، والاكتئاب، والانعزال عن الناس، وعدم القدرة على أداء أقل الأعمال، وحدوث إسهال شديد مع رشح بالأنف وعرق غزير مع الشعور بآلام مبرحة، وعدم القدرة على الحركة في حالة الانقطاع عن تعاطيها، علاوة على وجود رغبة في حك بعض أجزاء الجسم، والوهن والهزال والاضطراب والضعف العام.

ج ـ مخدرات تخليقية:
 ويتم إنتاجها وتصنيعها بالطرق الكيميائية ودون أن تحوي أية مواد طبيعية، وتتمثل في العقاقير المسكنة، والعقاقير المنومة، والعقاقير المهلوسة، ولهذا النوع من العقاقير تأثيرات خطيرة على متعاطيها تتمثل في الإدمان النفسي والجسدي والاضطرابات العصبية، وعدم القدرة على التحكم في التحرك العضلي نتيجة الانقطاع عن تعاطيها، والإصابة بتشنجات تعقبها اضطرابات نفسية قد تؤدي إلى الوفاة، كما ينجم عن الانقطاع عنها توتر عصبي وأرق، وهلوسة، واختلال عقلي، والنسيان المؤدي إلى فقدان الذاكرة. وعلاوة على هذه الأنواع من المخدرات توجد أنواع أخرى حديثة ومخلقة تسبب الإدمان والهلوسة، وتحدث آثاراً منشطة لمتعاطيها، ويكثر استخدام هذه الأنواع بين الشباب مثل عقاقير إل .إس .دي، والكراك، والآيس، والإكستازي، كما توجد مواد أخرى مختلفة مسببة للإدمان.

ثانياً: الآثار الاقتصادية لانتشار المخدرات والإنفاق عليها:

تتعدد الآثار الناجمة عن الإنفاق على المخدرات، سواء على مستوى الأشخاص أو على المستوى القومي، وهي على النحو التالي:

أـ على مستوى الأشخاص:
 نجد أن تعاطي المخدرات وإدمانها يؤثر في إنتاجية الفرد بشكل مباشر نتيجة التغيرات الذهنية والعقلية والجسدية التي يمر بها، التي ينتج عنها انخفاض مستوى أداء الفرد، وعدم اكتراثه، وضعف تركيزه، والاضطراب في إدراكه للزمن، والحجم، والألوان، وانخفاض مستوى أدائه في عمله، علاوة على الكسل والخمول الذي يعانيه، ما يؤدي إلى إهماله لعمله وتركه إياه، كما يؤدي لانهيار الطاقة الإنتاجية للفرد المتعاطي.

ب ـ على مستوى الاقتصاد القومي:

1ـ تستنزف هذه الظاهرة جزءاً كبيراً من موارد المجتمع، ومدخراته، واستثماراته كان من الممكن أن يتم توجيهها إلى مجالات أخرى نافعة للفرد والمجتمع.  2ـ يؤدي الاتجار في المخدرات إلى انتشار عمليات غسيل الأموال نتيجة لجوء المهربين إلى إخفاء دخولهم غير المشروعة من أجل التمويه، الأمر الذي يؤدي إلى كثير من الآثار السلبية والأضرار التي تنعكس على الاقتصاد القومي، وتؤدي إلى كثير من المشكلات المالية والإدارية. 3ـ يمثل الإنفاق على المخدرات تسللاً من دورة النشاط الاقتصادي، كونه لا يتجه إلى السلع والخدمات التي ينتجها القطاع الإنتاجي، ومن ثم، فإنه يعد نقصا في الإنفاق العام يؤدي إلى حالة واضحة من الكساد في الاقتصاد القومي. 4ـ انخفاض مستوى الدخل القومي نتيجة إنفاق جانب كبير من الدخل الأسري والشخصي على التعاطي والعلاج، ما يؤدي إلى نقص الدخل المتاح للأسر، ويؤثر في مستويات معيشتها ورفاهيتها. 5ـ نقص معدلات الادخار والاستثمار، ما يترتب عليه انخفاض معدلات النمو الاقتصادي. 6ـ تؤدي ظاهرة المخدرات إلى سوء تخصيص الموارد في المجتمع، حيث يتطلب جلب المخدرات وتهريبها توفير نقد أجنبي، يتم الحصول عليه من معروض النقد الأجنبي، سواء لدى الأفراد أو المصارف، ما يساهم في زيادة الطلب على النقد الأجنبي، وبالتالي انخفاض سعر العملة الوطنية، وما يتبعه من زيادة تكاليف الاستيراد، وارتفاع الأسعار في الداخل. 7ـ تحميل ميزانية الدولة لأعباء كثيرة، تتمثل في ارتفاع حجم النفقات التي تتحملها الدولة في مكافحة هذه الظاهرة وعلاجها والوقاية منها. 8ـ التأثير السلبي في المجالات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من سياحة، واستثمار، وتنمية بشرية وإنتاجية وغيرها. ثالثاً: الآثار الاجتماعية لانتشار المخدرات والإنفاق عليها: تعد ظاهرة التهريب، والاتجار، وتعاطي المخدرات من أهم الظواهر الاجتماعية الخطيرة على المجتمع، وذلك بما تشكله من تهديد وهدم لأواصر هذا المجتمع، وتفكيك للعلاقات الاجتماعية بين أفراده، ويقسم برنامج الأمم المتحدة للمراقبة الدولية للمخدرات التكاليف الاجتماعية للإنفاق على المخدرات وتعاطيها وتهريبها إلى ما يلي: أ ـ تكاليف اجتماعية ملموسة: وتتمثل في التكلفة التي إن تم تخفيضها لنتج عنها موارد يمكن للمجتمع الاستفادة منها في أغراض استهلاكية أخرى أو استثمارية، فمثلاً لو تم تخفيض تكلفة الرعاية الصحية لمتعاطي المخدرات لوفرنا موارد تتاح للإنتاج والخدمات الحكومية في ميادين أخري.  ب ـ تكاليف اجتماعية غير ملموسة: وتتمثل في الوفاة والألم والمعاناة، وهي تكاليف لا يمكن ترجمتها بشكل مادي، ولا توفر عند تخفيضها موارد يمكن تخصيصها لاستخدامات أخرى.  وعموماً يمكن توضيح أهم الآثار الاجتماعية السلبية لانتشار المخدرات في أي مجتمع من المجتمعات في الآثار التالية:  1ـ انهيار القوى الصحية والنفسية للأفراد المتعاطين وإصابتهم بضغط الدم والسكتة القلبية، علاوة على انتشار الأمراض الوبائية، ما يرفع تكاليف الرعاية الصحية والمتمثلة في تكاليف الطب، والتمريض، والمستشفيات، والأدوية الخاصة بالمتعاطين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الأمراض النفسية التي يصاب بها المتعاطون نتيجة التأثير السلبي في المخ والأعصاب، بجانب ارتفاع تكلفة علاج الحوادث والتأهيل نتيجة تعرض المتعاطين لحوادث الطريق، وتعرضهم للإصابة بالأمراض الخطيرة مثل أمراض نقص المناعة (الإيدز)، وتلف خلايا المخ.  2ـ ارتفاع معدلات الجريمة نتيجة تناول العقاقير والمواد المخدرة والمنبهة، حيث تتراوح هذه الجرائم بين العنف والسرقة بالإكراه، وقطع الطرق بقصد سلب الناس وممتلكاتهم، وكذا الابتزاز لتوفير المال من أجل الحصول على المخدرات، هذا إلى جانب تزايد معدلات اللواط، والاغتصاب، والاعتداء على الضحايا بالضرب والبطش، واستخدام الضحية في توفير الأموال بطرق غير مشروعة، حيث أشارت معظم الدراسات إلى ارتباط تعاطي المخدرات بارتفاع نسب الجرائم الخاصة بالسطو، والسرقة، والقتل وغيرها. ففي كندا على سبيل المثال، تبين أن أثار المخدرات ظهرت في عينات البول المأخوذة منهم لنسبة تراوحت بين 50% و70% منهم وقت القبض عليهم. كما أن 30% منهم كانوا تحت تأثير المخدر وقت ارتكاب الجريمة. 3ـ ارتفاع معدلات العنف داخل الأسر، حيث يشكل ذلك التهديد الأكبر للمجتمع، خاصة إذا كان المتعاطي هو أحد الوالدين أو الأبناء أو أي فرد في الأسرة، وما يترتب على ذلك من حوادث إساءة معاملة الأزواج والأطفال، وكذلك حالات القتل والاغتصاب داخل الأسر، وانتشار ظاهرة زنا المحارم تحت تأثير المخدرات.  4ـ تزايد عصابات تهريب المخدرات، وما تمثله من خطر على سلامة الأفراد وأمن الدول، بما ترتكبه هذه العصابات من أبشع الجرائم ضد كل من يتصدى لهم من أفراد الأمن، والقوات المسلحة، ورجال مكافحة المخدرات، هذا علاوة على استدراج هذه العصابات لكثير من الأبرياء الذين يتحولون إلى مروجين للمخدرات بدافع من الخوف، أو التهديد، أو الرغبة في الثراء.

رابعاً: الآثار الأمنية لانتشار المخدرات والإنفاق عليها:
يؤدي انتشار المخدرات بين أفراد المجتمع إلى انحراف بعض أفراده من العاملين والموظفين والمسئولين عن الخدمات العامة، حيث يغريهم الرغبة في الثراء السريع إلى العمل بتجارة المخدرات والتأثير على أعمالهم، كذلك فإن بعضا منهم يعمد للحصول على رشاوى نظير سكوتهم على مرور المواد المخدرة إلى داخل البلد، ويتضح ذلك في حالة موظفي الجمارك، وهو ما يجعل من هؤلاء أكبر خطر على المجتمع، وفي بعض الحالات يحاول العدو الحصول على أسرار الدولة، سواء العسكرية، أو الاقتصادية، أو المعرفية من خلال دفع البعض للتعاطي، واستخلاص المعلومات منهم. من ناحية أخرى، يؤدي انتشار المخدرات إلى استمرار ارتفاع درجة الاستعداد الأمني بين عناصر الجهات الأمنية المختلفة، حيث يتمثل ذلك في تزايد الرقابة من الجهات الأمنية، وما يتبعه من تزايد قوات رجال الأمن، ورقباء السجون والمحاكم والعاملين في المصحات والمستشفيات، والاستنفار الأمني لمطاردة المهربين وضبط الحدود، الأمر الذي يعني تخصيص مزيد من القوى العاملة والأموال لهذا المجال، كان من الممكن توجيهها لمجالات إنتاجية أكثر نفعاً للمجتمع.

خامساً: الآثار السياسية لانتشار ظاهرة المخدرات:
تتمثل أهم تلك الآثار فيما يلي: 1ـ قد تكون المخدرات في بعض الأحوال بمنزلة أسلحة الدمار الشامل، التي قد تستعملها الدول لإخضاع بعضها بعضا، ولتحقيق أهداف سياسية محددة، وليس أدل على ذلك من استخدام بريطانيا للمخدرات في وقت من الأوقات كأداة لفتح أسواق الصين للمنتجات البريطانية، فيما يعرف «بحرب الأفيون»، التي استمرت لسنوات، وكبدت الصين عديدا من الخسائر، التي كان من أهمها وأبرزها احتلال بريطانيا لمدينة «دينج هاي»، في مقاطعة «شين يانج»، وإجبار الصين على التنازل عن هونج كونج لبريطانيا لجعلها قاعدة عسكرية، واقتصادية، وسياسية بريطانية. 2ـ دور المخدرات في تدهور العلاقات الدولية بين الدول المنتجة لهذه المخدرات، والدول الأكثر استهلاكاً لها، وخير مثال على ذلك الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على تركيا من أجل خفض إنتاجها من الأفيون. 3ـ إسهام المخدرات في رسم النظام السياسي لبعض الدول من خلال إسهامها في الحملات الانتخابية لتحقيق الوصول شخصيات فاسدة إلى السلطة، وكذلك قيام تجار المخدرات بتمويل بعض الأحزاب السياسية فيما يعرف باستخدام الأموال القذرة في الانتخابات. 4ـ استخدام المخدرات كمدخل للتجسس من خلال تجنيد التجار، والمروجين، والمتعاطين كجواسيس ضد بلدانهم للحصول على معلومات استراتيجية وعسكرية، وخير مثال على ذلك استخدام إسرائيل لبعض الأفراد من بدو سيناء المصرية في تهريب المخدرات لمصر وحصولها على معلومات عسكرية منهم. 5ـ تعد المخدرات أحد العوامل الرئيسية في تفشي ظاهرة الإرهاب في العالم، حيث تعد هي الممول الرئيسي للعمليات الإرهابية وتجنيد العملاء في الخلايا والجماعات الإرهابية.

سادساً: الجهود الدولية والإقليمية والمحلية المبذولة في مكافحة المخدرات:

أ ـ الجهود الدولية المبذولة في مكافحة المخدرات:
 نظرا لما أصبحت تمثله مشكلة انتشار المخدرات من آثار سلبية على المجتمعات، ولما أصبحت تمثله من تهديد لاستقرار الاقتصاد العالمي، وبروز مشكلات اجتماعية وأمنية ذات أبعاد خطيرة فقد وضعت معظم دول العالم هذه المشكلة على قمة أولوياتها واهتماماتها، كما اهتمت بها المنظمات الدولية المختلفة، خاصة الأمم المتحدة، لذا فقد تنامت الجهود المختلفة المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة، سواءً تلك الخاصة بمنع تعاطيها، أو ترويجها، أو زراعتها، أو تصنيعها، وتتمثل الجهود الدولية المبذولة في هذا المجال فيما يلي:  1 ـ أهم الاتفاقيات الدولية بشأن مكافحة ظاهرة المخدرات:  هناك عديد من الاتفاقيات التي أبرمت وتم التوقيع عليها من عديد من دول العالم لمكافحة ظاهرة انتشار المخدرات، وقد بدأت فاعلية هذه الاتفاقيات تظهر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإنشاء عصبة الأمم المتحدة، واستهدفت هذه الاتفاقيات تمكين الدول من التغلب على مشكلة المخدرات، سواء بزيادة كفاءة المكافحة داخل أراضيها أو بالتعاون مع الغير على التصدي لها في أبعادها الدولية ومن أهم هذه الاتفاقيات:  .2اتفاقيات الأمم المتحدة للأعوام 1925، 1931، 1936م: وتتعلق بمساعدة الدول تقنياً في مراقبة المخدرات، وضرورة تعاون المنظمة الدولية للشرطة الجنائية في تنفيذ مشاريع المساعدة التقنية، وقد ركزت قرارات هذه الاتفاقيات على عدد من الجوانب هي: النظر إلى الإدمان على أنه نتاج لجو اجتماعي فاسد، وضرورة الاهتمام بأنشطة الترفيه، والمساعدة التقنية في ميدان مراقبة المخدرات، ومعالجة المدمنين في المستشفيات.  . .3بروتوكول عام 1948م: وهو بروتوكول خاص بإخضاع المخدرات التي تقع خارج نطاق اتفاقيات 1925، 1931، 1963م للمراقبة الدولية بعد ظهور أنواع جديدة من المخدرات، والمركبات الكيماوية المخدرة ذات الآثار النفسية السيئة على الإنسان، وبعد أن كانت منتجات المخدرات محدودة جداً، وتقتصر على خشخاش الأفيون، وشجيرات الكوكا، ونبات القنب.  .4برتوكول الأفيون عام 1953م: ويهدف إلى إخضاع الخشخاش والأفيون لسيطرة دولية أكبر من حيث الزراعة، والإنتاج، والاتجار، والاستعمال، وقد وقع هذا البرتوكول في مدينة نيويورك، وتم تنفيذه في 8 مارس 1963م، ومنح سبع دول فقط حق إنتاج الأفيون للتصدير، وهي بلغاريا، اليونان، الهند، إيران، تركيا، الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا.  .5اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المواد المخدرة لعام 1961م: وتم التوقيع عليها في 25 مارس 1961م، ووضعت موضع التنفيذ في 13 ديسمبر 1964م، وتم تعديلها ببروتوكول عام 1972م، وتهدف إلى: تنظيم آلية خاصة لتقديم المساعدة التقنية للدول في ميدان مراقبة إساءة استعمال المخدرات. وتوسيع نطاق أجهزة المراقبة الموجودة لتشمل زراعة النباتات التي تمثل المواد الخام للمخدرات الطبيعية. وتقنين قوانين المعاهدات المتعددة الجوانب، الموجودة بالفعل والخاصة بمكافحة المخدرات. والنظر إلى الإدمان على أنه نتاج لبيئة اجتماعية فاسدة، وضرورة الاهتمام بأنشطة الترفيه. كما شملت الاتفاقية مراقبة المواد المخدرة التخليقية، وتعد هذه الاتفاقية إنجازاً كبيراً في تاريخ الجهود الدولية لمراقبة المخدرات.  .6اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات عام 1988م: وتعد هذه الاتفاقية من أهم اتفاقيات الأمم المتحدة في مجال مكافحة المخدرات، حيث أعربت الدول الأطراف فيها عن بالغ القلق إزاء تزايد وضخامة إنتاج المخدرات، والمؤثرات العقلية، والطلب عليها والاتجار فيها بصورة غير مشروعة، خاصة مع تغلغل الاتجار غير المشروع في المخدرات على نحو مطرد في مختلف فئات المجتمع بما فيهم الأطفال الذين يتم استغلالهم في عمليات الإنتاج والتوزيع، وتنظر الاتفاقية إلى المشكلة من عدة زوايا منها ما يلي: ـ أن الاتجار غير المشروع بالمخدرات يدر أرباحاً وثروات طائلة، تمكن المنظمات الإجرامية من اختراق وتلويث وإفساد هياكل الحكومات والمؤسسات المالية والتجارية المشروعة والمجتمع بجميع مستوياته. ـ ضرورة حرمان الأشخاص المشتغلين بالاتجار غير المشروع بالمخدرات من جني متحصلات أنشطتهم الإجرامية، ومن ثم القضاء على الحافز الرئيسي الذي يدفعهم إلى الاتجار بالمخدرات. ـ ضرورة اتخاذ تدابير رقابية على المواد التي تستخدم في صنع المخدرات والمؤثرات العقلية، وذلك من أجل القضاء على أسباب مشكلة إساءة استعمال المخدرات والمؤثرات العقلية من جذورها. ـ تأكيد أهمية تقوية وتعزيز الوسائل القانونية الفعالة للتعاون الدولي في المسائل الجنائية، وذلك بغرض منع الأنشطة الإجرامية الدولية المرتبطة بالاتجار غير المشروع في المخدرات، وقد تضمنت هذه الاتفاقية ثلاثين مادة شملت جوانب مختلفة مثل الجرائم، والجزاءات، والاختصاص القضائي، والمصادرة، وتسليم المجرمين، والمساعدة القانونية المتبادلة، والمواد التي يكثر استخدامها في التصنيع المشروع للمخدرات أو المؤثرات العقلية، تدابير للقضاء على الزراعة غير المشروعة للنباتات المخدرة، وعلى الطلب غير المشروع على المخدرات والمؤثرات العقلية، والاتجار غير المشروع عن طريق البحر، ومناطق التجارة الحرة والموانئ الحرة.  وتعد هذه الاتفاقية من أهم الاتفاقيات التي واجهت مشكلة الاتجار غير المشروع في المخدرات، إلا أنه رغم أهمية هذه الاتفاقية وجدواها، فإن الدول ما زالت تعاني استمرار هذه المشكلة وتفاقمها وارتفاع أعداد المدمنين، وتزايد نشاط عصابات التهريب، وتغير أساليب عملها والتقنيات التي تستخدمها، ما يشير إلى محدودية دور هذه الاتفاقيات في مواجهة هذه المشكلة، وهذا لا يرجع إلى ضعف بنود هذه الاتفاقات، وإنما يرجع لاختلاف أساليب التطبيق داخل كل دولة بسبب الخصوصية المجتمعية والثقافية التي تميز كل دولة. 

ب ـ الجهود الإقليمية لمكافحة ظاهرة المخدرات:  لم تقتصر جهود مكافحة مشكلة المخدرات على الجهود الدولية، وإنما امتدت لتشمل الجهود الإقليمية والتي تمثلت أهمها في المنطقة العربية فيما يلي: 1ـ الاستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية، والصادرة عن مجلس وزراء الداخلية العرب التابع لجامعة الدول العربية في ديسمبر 1986م. 2ـ الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية، التي اعتمدها مجلس وزراء الداخلية العرب في دورته الحادية عشرة المنعقدة في يناير 1994م، ودخلت حيز التنفيذ في يوليو 1996م، وجاءت مطابقة لأحكام اتفاقية 1988م.

ج ـ الجهود المحلية لمكافحة المشكلة:
 تعد مشكلة المخدرات من المشكلات الحديثة التي أصبحت تعانيها المملكة، فلم تعرف المملكة المخدرات بشكل متزايد إلا منذ نحو 20 عاماً، حيث كانت العادات والتقاليد المشجعة على الفضيلة والنابذة لكل ما هو قبيح صمام الأمان لحماية المملكة من هذه الظاهرة المدمرة، ومع تزايد توجه المملكة نحو التنمية الاقتصادية، واستقدام العمالة الأجنبية لتوفير متطلبات خطط التنمية، ومع زيادة استيراد البضائع والمواد الغذائية، بدأت تدخل كميات متزايدة من المخدرات مع هذه العمالة، ومع تلك البضائع والمواد الغذائية، وذلك من خلال الطرق البرية والموانئ البحرية، وفي الغالب يتم استخدام عديد من الأساليب للتمويه، وإخفاء هذه المخدرات، وذلك داخل معلبات الأطعمة والتوابل والأدوات المنزلية أو داخل الأقمشة والبضائع، وغيرها بل وصلت الأمور لاستخدام الأدوات الدينية مثل السواك في إخفاء هذه المخدرات، ولدرجة استغلال المصحف الشريف في إخفاء هذه المخدرات لدى بعض ضعاف النفوس والخارجين عن القانون. ومنذ سنوات تبذل المملكة جهوداً مضنية من خلال قوات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وإدارة الجمارك في مكافحة هذه الظاهرة والتقليل منها، حيث تم رفع نسبة التفتيش إلى 100% في معظم منافذ المملكة، كما تم اتخاذ تدابير احترازية للحيلولة دون تفاقم هذه المشكلة، حيث غلظت الأنظمة الموجودة في المملكة عقوبة مهربي المخدرات ومروجيها من خلال صدور النظام السعودي للمخدرات، الذي تضمن عقوبة القتل تعزيراً على مرتكبي جرائم تهريب، أو جلب، أو تصدير، أو إنتاج المخدرات، والمؤثرات العقلية. كما بدأت المملكة العمل بالخطة الوقائية الخاصة بمكافحة المخدرات هذا العام 2010م، التي أعدتها المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمشاركة 9 جهات أخرى، التي تعتمد على رؤية تسعى إلى تحسين ووقاية المجتمع للحيلولة دون وصول المخدرات إلى أفراد المجتمع، ورفع مستوى الوعي بين المواطنين، خصوصا الشباب والنشء الصغير.
 

سادساً: دور القوات المسلحة في مكافحة المخدرات بالمملكة:
يشارك عديد من الجهات الوطنية في جهود مكافحة المخدرات، وعلاج السلبيات الناجمة عنها في المملكة، حيث تتمثل أجهزة مكافحة المخدرات في المملكة في الجهات التالية: 1ـ الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، التي كانت تتبع الأمن العام، وتم فصلها في الفترة الأخيرة وربطها بوزارة الداخلية، من أجل رفع كفاءة أدائها. 2ـ إدارة الجمارك. 3ـ قوات حرس الحدود. 4ـ المعامل العلمية والأجهزة المختصة بالشؤون الدوائية، إضافة إلى الأجهزة الأخرى ذات الارتباط المباشر وغير المباشر بمكافحة المخدرات، وهي الأجهزة المسؤولة عن الوقاية، والعلاج، والتوعية، والإعلام. 5ـ الجمعيات الخيرية والدينية.  ورغم الدور المهم الذي تقوم به كل الجهات السابقة في محاربة المخدرات والحد من انتشارها، فإن القوات المسلحة رغم مهامها الأصلية في الدفاع والذود عن حدود وكرامة الوطن أمام أي اعتداء خارجي، تعد هي الذراع الأقوى الذي يتم اللجوء إليه لإحباط عمليات التهريب الكبيرة، التي تسلك طرقا وأساليب تحتاج إلى تدخل هذه القوات بشكل مباشر أو غير مباشر، وفيما يلي إلقاء بعض الأضواء على هذا الدور المهم للقوات المسلحة: أـ أبعاد دور القوات المسلحة في مكافحة المخدرات: لا شك أن القوات المسلحة تقوم بدور مهم في مكافحة المخدرات والوقاية منها، والحيلولة دون استهداف المجتمع وأبنائه في أمنهم وسلامتهم، وفي معظم الدول غالباً ما يوكل أمر مكافحة التهريب إلى القوات المسؤولة عن حراسة الحدود، والموانئ البحرية، والجوية، والبرية، حيث يتمثل الدور الذي تقوم به هذه القوات في:  1ـ منع عبور المخدرات بأنواعها المختلفة إلى أراضي الدولة، والاتجار فيها أو توزيعها وترويجها ونقلها. 2ـ مراقبة مصادر الترويج والتهريب.  3ـ التنسيق مع أجهزة المكافحة، كالمديرية العامة لمكافحة المخدرات، وغيرها من الجهات الأخرى من أجل توحيد الجهود اللازمة للقبض على المهربين والمروجين، وضبط الشحنات الواردة من الخارج قبل عبورها الحدود، ودخولها لأرض الوطن. 4ـ المساهمة مع إدارة مكافحة المخدرات في دعم المناطق الحدودية، والمطارات، والمنافذ البرية بمختلف الإمكانات المتطورة اللازمة لرفع كفاءة الأداء، وسهولة مراقبة وفحص الأشخاص والبضائع، ووسائل النقل بالسرعة والدقة اللازمتين. 5ـ الدور الإعلامي المتمثل في توعية المواطنين بالأضرار النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية للمخدرات، وتوعية أفراد القوات المسلحة أنفسهم من هذا الداء اللعين باعتبارهم أحد أهم الفئات المستهدفة بهذه السموم من أعداء الوطن.
ب ـ متطلبات قيام القوات المسلحة بدورها في مكافحة المخدرات:
لا شك أن قيام القوات المسلحة بدورها على أكمل وجه وبفاعلية عالية يتطلب توافر بعض العوامل، التي تحرص القوات المسلحة السعودية على توافرها باستمرار، وأهمها استخدام أحدث الأساليب والمعدات في مراقبة ومكافحة هذه المخدرات، من خلال استخدام قوات حرس الحدود الرادارات للمراقبة الأرضية والمراقبة الساحلية، وأجهزة ومعدات الرؤية والمراقبة الليلية، وأجهزة تحديد المسار، وطائرات الاستطلاع الخفيفة، إضافة إلى التنسيق مع قوات الأمن، وإدارة مكافحة المخدرات في القيام بحملات وأكمنة مركزة ومستمرة طوال العام على الأماكن المشتبه بها، سواءً في التعاطي أو الاتجار بالمواد المخدرة، وكذلك عمل الأكمنة المجهزة بأحدث التقنيات على المنافذ المختلفة للمملكة لإحباط أي مخطط لنقل المواد المخدرة إلى داخل المملكة.

 

د. حنان رجائي عبد اللطيف محمد