| |
 
تخطي ارتباطات التنقل
الرئيسية
نبذة عن المجلة
كلمة رئيس التحرير
للاتصال بنا
الجندي السعودي وثقافة الحرب

من مد يديه للسلام فأيدينا ممدودة، ومن تعدى قطعت يده».. عبارة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام للشؤون العسكرية على بساطتها وسلاستها إلا أنها تلخص في الوقت نفسه موقف المملكة العربية السعودية الأصيل من جميع القوى والدول والتوجهات والجماعات، فالمملكة على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتناحرة في المنطقة والعالم، وفي الوقت الذي تمد فيه المملكة يدها بالسلام وبمساعي الخير والإصلاح بين الفرقاء، فهي أيضاً تحتفظ في يدها الأخرى بقوة الردع الحارقة التي صبت جحيمها على رؤوس المتسللين الذين تجرؤوا على حدود المملكة الجنوبية، في محاولة لتصدير أزمتهم مع الشقيقة اليمن إلى الخارج لتصعيد الموقف، لكن الرد السعودي كان على مستوى من القوة جعل هؤلاء يعودون أدراجهم من دون شرط أو قيد بعدما أزهقت المئات في صفوفهم في أيام معدودات على أيدي قواتنا المسلحة.

 


وبإخضاعنا هذه المعركة التي كانت من طرف واحد تقريباً في ظل التفوق العسكري للسلاح العسكري السعودي، وقبل ذلك للفكر العسكري السعودي، يمكننا بجلاء الحكم على أنها كانت أشبه بنزهة للجيش السعودي الذي سرعان ما هيمن على الوضع، على الرغم من صعوبته البالغة، ليس الخطورة تكمن في العدو، بل لوعورة الظرف الجغرافي والاجتماعي الذي فرض نفسه على الميدان، فقد كنا أمام محاولات تسلل مباغتة عبر جبال معقدة التفاصيل والتضاريس لا معركة ميدان مفتوحة تقليدية واضحة المعالم. وفي موقف كهذا يتجلى دور الفرد السعودي المحارب الذي يعد الورقة الرابحة. فالتفوق الجوي بمفرده مهما كان قوياً في مثل هذه الحالة، لن يستطيع أن يحسم الأمور في غياب القوات البرية التي يتوقف على مدى ثقافة أفرادها، ورسوخ عقيدتهم القتالية، وهو ما راهنت عليه المملكة في معركتها الأخيرة مع الميليشيات المتسللة، وكسبت الرهان، وهو أيضاً ما يستحق أن يكون درساً مهماً يسطر في كتاب التاريخ العسكري، ففي أيام حسم الفرد السعودي ما عجز أن يحسمه الفرد (الروسي)– على سبيل المثال- في سنوات في جبال أفغانستان، وما تعجز القوات الدولية عن حسمه منذ سنوات أيضاً في البقعة نفسها، على ما تمتلكه القوات الدولية، وما كانت تمتلكه القوات الروسية سابقاً من ترسانة عسكرية جبارة، بوسعها تحويل أي ساحة قتال إلى جحيم مستعر، وحراثة أرض الميدان بأسلحته المتطورة عالية القوة، الأمر يعود بنا مجدداً إلى مواجهة الحقيقة نفسها التي ذكرناها آنفاً، حقيقة أن العقيدة القتالية العميقة لدى الجندي السعودي وثقافة الحرب التي يمتلكها أفراد جيش المملكة، قياداته، وأفراده، كانت كلمة السر في هذا الإنجاز القياسي غير المسبوق، الذي كان محكاً كبيراً كشف للعالم عن قدرات فوق العادة للجيش السعودي، وفي المقام الأول للفرد السعودي.

 

«إن المملكة لا تريد إلا الدفاع والسلام ونريد الخير للجميع»، و»إن أروع ما يقدمه الإنسان في حياته هو الوفاء بالوعد، والالتزام بتقديمه في وقت الجد، ليترك بعمله بصمات دائمة».. عبارات أخرى وردت متناثرة في أكثر من لقاء جمع مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام للشؤون العسكرية أثناء زياراته المتكررة لرجاله على الجبهة كانت بمنزلة ذلك الضوء القوي الذي جعل معالم الطريق واضحة أمام الفرد السعودي الذي أدرك تماماً بما لا يدع مجالاً للشك أنه في مهمة إنسانية، وأنه لا يسعى للعدوان على أحد بقدر ما يسعى لوقف عدوان وقع على أراضيه ومواطنيه، وسعى للنيل من سيادة دولته، إنها الكلمات الفارقة الحاسمة العميقة التأثير التي وضعت الفرد السعودي أمام التزام ديني إنساني أخلاقي يدرك معه أن خياره الوحيد هو القتال حتى الرمق الأخير، موقناً أن انتصاره شرف، وموته شهادة، وهزيمته خزي الدهر الذي ما كان ليقبل به أحفاد رجال المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذين خاضوا معارك طاحنة قبل عقود من الزمن لتأسيس هذا الوطن تحت لواء المؤسس، ومن قبل تحت ألوية أئمة آل سعود– طيب الله ثراهم أجمعين.

 

إن حالة الاستقرار الكبيرة التي أرست دعائمها حكومات المملكة المتعاقبة تحت قيادة أبناء المؤسس ملوك الدولة السعودية، وهذه العلاقات الأخوية والصداقات التي نجح ولاة الأمر في إقامتها على مدى العقود الماضية، لا ينبغي أن تفسر أبداً على أن سعة صدر المملكة ليس لها آخر، وبخاصة إذا تعلق الأمر بالاجتراء على حدودها، هذه هي الثقافة العسكرية التي ربي عليها الجندي السعودي، وهذه هي العقيدة القتالية التي تحرص قواتنا المسلحة على غرسها في أفرادها، إنهم أشبه بفوهات مدافع مستقرة في وضع استاتيكي، إلى أن يبادر الآخر بإطلاق النار، يقين تام مستقر في وعي الرفد السعودي أن قيادته تنزله منها منزلة عظيمة، وتدعمه بلا حدود، وأنها قد تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا مس أحد أفرادها بمكروه، وليس أدل على ذلك من تلك الصور التي تناقلتها وكالات الأنباء والمنابر الإعلامية المتنوعة لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام الذي ما كاد يستريح إثر عودته من رحلته العلاجية الطويلة خارج البلاد حتى توجه مباشرة– حفظه الله- إلى الحد الجنوبي للمملكة، ليكون هناك بين أبنائه رجال القوات المسلحة، وليس أدل على تلك المكانة التي يتمتع بها الفرد السعودي المقاتل من تقبيل سموه– سلمه الله- لرؤوس أبنائه المصابين من جراء الاشتباكات في الجنوب.

 

إن هذا الدعم غير المحدود للجندي السعودي، وهذا الالتفاف حوله من قياداته، وهذا الحرص من القيادة على تبصير أفرادها بقيمة ما يفعلونه، وبمنظومة القيم التي لا تحيد عنها قواتهم المسلحة، فضلاً عن مرجعيات هذا الفرد القتالية التي استقرت في وعيه ولاوعيه من مشاهد التاريخ القريب، هذا كله يضمن امتلاك الفرد السعودي لتلك الثقافة والجاهزية النفسية التي تضمن له التفوق فيما يخفق فيه الآخرون.