الانضباط عنوان شخصيته، والبساطة روحها، دَأَبٌ بلا حدود، وحرصٌ على الوقوف على جميع تفاصيل العمل، الإنجاز هاجسه، والمثابرة نهجه، والزمن تحدٍّ طالما كسبه، بعزيمة قائد يعلم أهدافه حق العلم، ويتوجه صوبها بهمة واقتدار، تحققت للأشغال العسكرية على يديه نقلات فارقة، ساهمت في وضع منشآتنا العسكرية في مقدمة مصاف المنشآت العسكرية في العالم، فضلاً عن الحلول التي أثر فيها واقع الأشغال العسكرية. إنه اللواء المهندس الركن سعد بن محمد الرميح، مدير الإدارة العامة للأشغال العسكرية، الذي فتح لنا بابَي مكتبه وقلبه، خلال سطور هذا اللقاء:
يصف المراقبون تجربة وزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة في مجال الإنشاء والتشييد وتوفير الخدمات لمنسوبيها بأنها تجربة مميزة.. بصفتكم من عاصر هذه الإدارة منذ فترة طويلة، حدثنا عن هذه التجربة وعن أهم عوامل نجاحها؟
الحديث عن تجربة الوزارة في مجال الإشراف على تنفيذ المشاريع، أو محاولة توثيقها، لا يمكن أن يكون بمعزل عن تجربة الوزارة بشكل عام، بل لا يمكن أيضا عزلها عن عملية التنمية في المملكة، التي عبرت عنها خطط التنمية الخمسية، لكنني سأتحدث هنا عن أحد أوجه هذه التجربة، وهو تجربة الإدارة العامة للأشغال العسكرية, شكلت تطلعات وطموحات سمو سيدي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام في بناء قواتنا المسلحة التحدي الأكبر لجميع قطاعات الوزارة بما فيها الأشغال العسكرية، وذلك لرغبته- حفظه الله- في أن تكون قواتنا المسلحة متطورة وقادرة على حماية مقدساتنا، ووطننا، ومكتسباتنا الوطنية، وقد ترتب على ذلك أن تبادر الأشغال العسكرية إلى تلبية متطلبات واحتياجات الوزارة من المشاريع والمنشآت والمرافق بما يكفل تحقيق الهدف الذي خطط له سموه الكريم.
اليوم وبعد مضي ما يقارب أربعين عاما على تأسيس الأشغال العسكرية، وأنت ترى هذه المنظومة المتكاملة من المشاريع والمنشآت المتنوعة التكتيكية، والإسكان، والتعليمية، والثقافية، والصحية، والخدمية، والترفيهية، والمساجد في وزارة الدفاع والطيران تدرك أننا نتحدث عن مدن عملاقة ومتكاملة أنشئت على أحدث المواصفات الفنية والهندسية، ومنتشرة على امتداد وطننا الغالي، وتعتمد عليها قواتنا المسلحة بعد الله في القيام بمهامها.
كانت هذه نبذة بسيطة ومختصرة لتجربة الأشغال العسكرية تحديداً، لكن إجابة سؤالك حول أهم عوامل النجاح أقولها بشكل واضح إنك لن تجدها إلا في شخص سمو سيدي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، لأنه- حفظه الله- صاحب الأيادي البيضاء على هذه التجربة وعنوانها الكبير، ولا غرابة في ذلك، لأن الإنجازات الكبيرة تتحقق عندما تتولاها الشخصيات الكبيرة.
ما أهم الأدوار التي تضطلع بها الإدارة العامة للأشغال العسكرية؟
المهمة الرئيسية هي تلبية احتياجات وزارة الدفاع والطيران من الدراسات الهندسية والفنية، وتصميم المشاريع الإنشائية، والإشراف على تنفيذ هذه المشاريع، إضافة إلى الإشراف على تشغيل وصيانة المدن العسكرية، والمواقع للقوات البرية عبر أجهزة فنية مستقلة ومتخصصة، وهي إدارات التشغيل والصيانة, وكذلك تقديم الاستشارة الهندسية، والرأي الفني لسمو وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وسمو نائبه، وسمو مساعده، ومعالي رئيس هيئة الأركان العامة، وقادة أفرع القوات المسلحة.
كيف يمكن تقييم تجربة الإدارة العامة للأشغال العسكرية؟ وما المنهجية التي تتبناها لتنفيذ مهامها؟
نحن جزء من هذه التجربة، ولا يمكن لنا تقييمها، لأنك تعرف أن عملية التقييم يجب أن تأتي من خارج التجربة، وأن تكون مستندة إلى معايير علمية وفنية معتمدة, لكننا بالتأكيد نقوم بمراجعة تجربتنا وتحديثها، وفقا للمتغيرات العلمية والهندسية التي تفرضها التطورات التي انتهجتها الثورة العلمية والتقنية في العالم.
لكن أستطيع أن أصف هذه التجربة بأن الأشغال العسكرية بعد مضي هذه السنوات قد أصبحت مؤسسة هندسية وفنية وطنية، ولها من الدور والمساهمات ما يتجاوز حدود الوزارة إلى المستوى الوطني.
المنهجية التي تتبناها الأشغال العسكرية هي تنفيذ مهامها وأعمالها في إطار وفكر مؤسسي، وليس بالاعتماد على الأداء الفردي والاجتهادات، وهذا يتطلب أن تكون إجراءات العمل موحدة وموثقة على شكل أدلة إجرائية تكون مرجعا معتمدا لتنفيذ العمل، وضبط الأداء والممارسات الهندسية والإجرائية المتبعة في الإشراف على تنفيذ المشاريع ابتداء من مرحلة الدراسات والتصاميم، وصولا إلى مرحلة التنفيذ وانتهاء بالمشروع, يمكن لي القول إن لدينا معادلة واضحة للكيفية التي نشرف بها على تنفيذ المشاريع، وهي أن تكون التقديرات والأسعار للمشاريع تتوافق مع الاعتمادات المالية دون المساس بمستويات الجودة والكفاءة والمواصفات في هذه المشاريع، وأن يتم إنجاز المشروع في الوقت المحدد .
كيف تتولى الإدارة عملية تأهيل المقاولين والمكاتب الاستشارية؟ وهل هناك معايير محددة لقبول الشركات؟
عملية تأهيل المقاولين والمكاتب الاستشارية تخضع لنظام تصنيف وتأهيل المقاولين والشركات، وهو نظام معتمد من المقام السامي، ومهمة التصنيف تتولاها وزارة الشؤون البلدية والقروية، والنظام يحدد المعايير والمواصفات والمتطلبات الفنية والهندسية لتقييم الشركات، وبالتالي الأشغال العسكرية تلتزم بها أسوة بجميع الوزارات.
ما المنهجية المتبعة لتأهيل كوادر الإدارة الهندسية والفنية من ضباط ومهندسين ومدنيين؟
منهجيتنا هي مواكبة التطورات والمستجدات العلمية والتقنية في المجال الهندسي، ومجالات إدارة التشييد، والمشاريع، ومواد الإنشاءات، وهذا يشكل تحديا، نظراً لكون المجال الهندسي بطبيعته يتأثر بهذه التطورات والتحولات المتسارعة، وهذا يعني أننا لا نستطيع انتظار وصول المستجدات إلينا، بل نحن من يجب أن يبادر إلى البحث عنها.
لذا يشكل التدريب العنصر الرئيسي الذي نعتمد عليه، إضافة إلى المشاركة في المؤتمرات، وتقديم الأبحاث، وأوراق العمل، وحضور المعارض المتخصصة، والاطلاع على النشرات العلمية التي تصدر عن الجمعيات، والمنظمات المهنية العالمية.
هل لإدارتكم دور فاعل وتعاون مع مراكز الأبحاث والجامعات؟
بالتأكيد، لأن ذلك هو جزء من الدور العلمي للأشغال العسكرية على المستوى الوطني، حيث ساهمت في تطوير البيئة العلمية والهندسية، وتطوير المهنة في المملكة على سبيل المثال، ودعمت الإدارة مشروعا بحثيا قامت به جامعة الملك فهد لتثبيت الرمال، حيث تعاني بعض المجمعات السكنية والطرق في المنطقة الشرقية من هذه المشكلة وتم التوصل إلى حلول علمية استفاد منها الوسط الهندسي في المملكة, كذلك المساهمة الرائدة في توطين تقنية الهندسة القيمية في المملكة، حيث إن الإدارة هي التي أدخلت هذه التقنية إلى الأوساط العلمية والهندسية في المملكة، وللعلم فإن المملكة أول دولة في العالم العربي والشرق الأوسط طبقت هذه التقنية في المشاريع. وفي مجال البيئة قامت الأشغال العسكرية بتفعيل وتنفيذ قرار مجلس الوزراء 162 وتاريخ 21/9/1418 هـ والمتضمن إيقاف استخدام مادة الاسبستوس، وإزالتها من المباني، والمنشآت التي توجد بها، وبعد أن بدأت الإدارة في تنفيذ مشاريع إدارة وإزالة المادة بالتعاون مع استشاريين عالميين، وكذلك تدريب مهندسيها على الإشراف على إدارة هذا النوع من المشاريع ونقلنا تجربتنا إلى المستوى الوطني، حيث نظمت الإدارة مؤتمرا برعاية سمو سيدي ولي العهد بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين من عدد من الدول المتقدمة التي تملك التجربة، وقد كان من ضمن توصيات المؤتمر إنشاء لجنة وطنية لتنفيذ توصيات الندوة للتخلص من مادة الاسبستوس، وقد وافق المقام السامي على تأسيس هذه اللجنة بعضوية الأشغال العسكرية ممثلة للوزارة- وبفضل الله- هذه اللجنة تمارس أعمالها الآن، أيضا قامت الأشغال العسكرية من واقع خبرتها في مجال التشغيل والصيانة بتبني إجراءات عمل وممارسات فنية تستند إلى معايير عالمية في تنفيذ أعمال التشغيل والصيانة للمحافظة على البنية التحتية التي أنفقت عليها الدولة مليارات الريالات وقد رأت الإدارة من واقع مسؤوليتها ودورها نقل هذه التجربة إلى القطاعات الحكومية الأخرى، حيث تم عقد ندوة وطنية أطلعنا من خلالها القطاعات الحكومية الأخرى على تجربتنا، وتبنينا هذا المشروع، حيث أوصت الندوة بإنشاء هيئة وطنية لتقنيين أعمال التشغيل والصيانة، بحيث يكون إجراءات التشغيل والصيانة تنفذ بشكل علمي فاعل يساهم في المحافظة على مكتسبات الوطن، وإطالة عمر البنية التحتية والمشاريع، وقد وافق مجلس الوزراء الموقر بعد إجراء الدراسات على تأسيس هذه اللجنة أيضا بعضوية الأشغال العسكرية ممثلة عن الوزارة، إضافة إلى ذلك فإن الإدارة مشارك رئيسي في عديد من المؤتمرات والفعاليات العلمية والهندسية، والمشاركة بالبحوث وأوراق العمل العلمية، كما تتيح الإدارة فرصة التدريب لطلاب كليات الهندسة للتدريب في مشاريع الوزارة في مختلف التخصصات الهندسية.
ماذا عن التوسعة في مجال إسكان منسوبي القوات المسلحة؟
يجري حاليا تنفيذ مشروع لإسكان منسوبي القوات المسلحة في مدينة الملك خالد العسكرية، وكذلك في المنطقة الشرقية، علماً بأن التوسع في أي نوع من أنواع المشاريع يتم وفقا لاحتياج قطاعات الوزارة، ووفقا للأولويات، وكذلك توافر الاعتمادات المالية اللازمة.
وماذا عن التوسعة في مجال منشآت الخدمات الطبية؟
يجري في الوقت الحالي تنفيذ عديد من المشاريع بهدف تحديث وتطوير وتوسعة المستشفيات والمرافق الطبية للوزارة بما يتناسب مع التطور والتوسع الذي تشهده قواتنا المسلحة، حيث يوجد مشروع على وشك الانتهاء لتوسعة مستشفى القوات المسلحة في المنطقة الجنوبية، كذلك يوجد مشروع لإنشاء مركز لعلاج وجراحة القلب أيضا في المنطقة الجنوبية, إضافة إلى مشروع إنشاء مستشفى لمنسوبي القوات المسلحة في منطقة القصيم بسعة خمسين سريرا, كما يوجد مشروع لتوسعة مستشفى القوات المسلحة بالشمالية الغربية, وفي سياق توسعة وتطوير المنشآت والمرافق الطبية يجري العمل حاليا بمشروع إنشاء مركز الأمير سلطان لعلاج وجراحة القلب بالخرج، وكذلك يجري العمل حاليا على توسعة مركز رعاية المعاقين بالطائف.
وماذا عن المستشفى العسكري في مدينة الرياض وما تردد عن أنه سيكون كبيراً من حيث الطاقة الاستيعابية؟
المستشفى في مرحلة التصميم حتى الآن، وقد تم إجراء الدراسات الأولية والتصاميم، وفق طراز متقدم يكفل أن يحقق الهدف الذي يتطلع إليه سمو سيدي ولي العهد في مجال الخدمات الصحية لمنسوبي الوزارة، وأن يكون إضافة للخدمات الصحية في المملكة، أما فيما يخص معلومات ومواصفات المستشفى من الناحية الطبية فإن الإدارة العامة للخدمات الطبية للقوات المسلحة هي الجهة المختصة بذلك.
هل لديكم خطة لزيادة منشآت المدارس ورياض الأطفال؟
كما سبق وأن ذكرت بأن دور الأشغال العسكرية هو تلبية احتياجات الوزارة من المشاريع، لكن تقدير الاحتياج من المشاريع يتم من قبل كل قطاع، وفق الخطط المستقبلية التي تضعها هذه القطاعات.
سعادة اللواء ،، ما زلنا نرى العمالة الأجنبية لديكم ،، هل هناك جهود منهجية لسعودة الوظائف؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من إيضاح أمر مهم، وهو أن الأشغال العسكرية جهاز هندسي وفني يتولى الإشراف على تنفيذ مشاريع الوزارة، لكن التنفيذ يتم من قبل المقاولين بعد ترسية المشاريع عليهم، وفقاً لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية, وفيما يخص جهازنا الإشرافي فهو يتشكل من الضباط المهندسين والمهندسين السعوديين، إضافة إلى عدد من المهندسين غير السعوديين في بعض التخصصات، نظراً لعدم توافر كوادر سعودية لشغلها، وهذه معضلة تواجه جميع القطاعات الحكومية، كما أن سوق العمل في المملكة تعاني شحا في هذه التخصصات لأسباب تتعلق بمخرجات التعليم، وكذلك بسبب التنافسية العالية مع القطاع الخاص،
لذا أؤكد لك أن نسبة غير السعوديين في الأشغال العسكرية مماثلة للمعدلات الموجودة في جميع القطاعات الحكومية.
وفيما يخص إدارات التشغيل والصيانة للمدن والمواقع العسكرية تتبنى الأشغال العسكرية مشروعا طموحا لتوطين الوظائف، يعتمد هذا المشروع على التوطين المبني على المعرفة, وبدأنا بدراسة وتقييم الوضع الحالي في الإدارات للمساعدة في تحديد المنهجية الملائمة لعملية التوطين، ومن ثم بدأ هذا المشروع على عدة مراحل.
أولا: إنشاء البنية التنظيمية والقانونية للإدارات، وشملت هذه المرحلة إعداد لائحة تشغيل وصيانة المنشآت العسكرية، وقد تضمنت سلالم الرواتب والعقود الموحدة، وهي الخطوة الأولى لتوحيد الأنظمة بين جميع الإدارات، بعد ذلك تم إصدار دليل المهام والواجبات، وانتقلنا بعد ذلك إلى إعداد التصنيف الوظيفي الموحد، الذي يشمل توحيد المسميات، والتخصصات، والمؤهلات العلمية، والعملية، والمسارات المهنية، والترميز الوظيفي, تلا ذلك إعداد دليل التوظيف للمتعاقدين في برامج التشغيل والصيانة، الذي ينظم العلاقة بين الإدارات والعاملين، وبذلك تم استكمال منظومة الأنظمة واللوائح والأدلة، وأصبحت البنية التنظيمية لجميع الإدارات موحدة, بعد ذلك تم توقيع مذكرة تفاهم مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني لبناء برامج التدريب المتخصصة لجميع برامج التشغيل والصيانة في جميع أفرع القوات المسلحة، وتعتمد برامج التدريب على المعايير المهنية الوطنية، التي تنتهي بنظام الرخصة المهنية، وهو مماثل للنظام المستخدم في الدول المتقدمة، وقد تفضل سمو سيدي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والمفتش العام، بالموافقة على إنشاء المعهد بمسمى معهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز للتشغيل والصيانة، ومقره مدينة الملك خالد العسكرية بحفر الباطن، وقد اقترحت اللجنة التوجيهية لمذكرة التفاهم أن يطلق اسم سموه الكريم على المعهد عرفانا بدعم وجهود سموه, وقد تم إطلاق عملية التدريب، وفقا للخطة التنفيذية للمعهد.
سعادة اللواء،، الجميع في القوات البرية ينتظرون تدشين مبنى قيادتهم الجديد،، إلى أي مرحلة وصل هذا المشروع؟
مشروع مبنى قيادة القوات البرية يتم تنفيذه على مرحلتين فيما يخص المرحلة الأولى التي تم لها اعتمادات مالية، وتشمل المبنى الرئيسي للقيادة، وصلت نسبة الإنجاز إلى 85%، وستنتهي هذه المرحلة- بمشيئة الله- في 24 /12/ 1431هـ أما المرحلة الثانية، التي تشمل السور الأساسي، ومواقف السيارات والبوابات الرئيسية، وكذلك مبنى الحاسب الآلي، والشرطة العسكرية، فلم يتم اعتماد أي مبالغ حتى الآن لهذه المرحلة.
إذن متى تتوقعون تدشينه؟
جار العمل مع وزارة المالية بشأن توفير الاعتمادات المالية اللازمة للمرحلة الثانية، وبمشيئة الله عند اعتماد المبالغ اللازمة سيتم إنجاز المشروع، وفقا للمدة التي يحددها عقد المشروع.